د. يوسف الحسن

* أستشعر، ومعي كثيرون من نخب ثقافية اجتماعية، أن هناك حاجة ضرورية لفتح حوار عميق وثري في مفاهيم المواطَنة، وممارستها في مجتمعنا، لتعزيز الوعي بها لدى الأجيال الشابة، وممارستها بشكل إيجابي، وبما يرسخ الانتماء الوطني، والتماسك الاجتماعي، والمشاركة التطوعية في الشأن العام، ويضمن للجميع حياتهم الكريمة، وحقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى قاعدتي المساواة، وتكافؤ الفرص، وتأدية الواجبات العامة، كالدفاع عن الوطن، وحماية مقدراته وأمنه وهويته الجامعة.
المواطَنة لا تعني ارتداء الزي الوطني، أو مجرد حقوق مدنية، أو مجرد انتماء يتم تأكيده بالأوراق الثبوتية القانونية، إنما هي واجبات وحقوق في آن، «والتي ينعم في ظلالها الجميع بالعدل»، وفق «وثيقة الأخوة الإنسانية». كما أنها، في الوقت نفسه، قيم وسلوك وممارسة في كل الظروف والأزمنة، يتوجب ترسيخها في النفوس والأفئدة، في الأسرة والمدرسة والجامعة وميادين العمل. هي أيضاً ثقافة وطن، تتجسد فيها حقوق الإنسان والحريات الأساسية والمسؤولة، وفلسفة التسامح الأخلاقية والقانونية والإنسانية، والحفاظ على السلم الأهلي والتعايش، ثقافة وطن يستوعب جميع أبنائه، تحت مظلة العدالة والقانون، وواجبات ذات صلة بالانتماء والولاء، وقيم ومسلكيات ناظمة لعلاقات المواطنين مع بعضهم، ومع الدولة الوطنية في آن.
إن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وبطبيعتها الدستورية، هي دولة تعاقدية، ومرتبط مفهومها تماماً مع مفهوم المواطَنة المتكافئة، كحقوق وواجبات.
ومن النافل القول، إن مصطلح «المواطَنة» مشتق من كلمة «الوطن»، وإن تاريخ مبدأ المواطَنة هو تاريخ سعي الإنسان من أجل العدالة والإنصاف والواجبات المتبادلة والحقوق المتساوية.
إن التربية على المواطَنة هي جزء من هموم «الهوية الجمعية» وتجلياتها الثقافية والمعرفية، وبخاصة في ظل مستجدات وتحولات هائلة تشهدها المجتمعات العربية، فضلاً عن البيئة الدولية، تحولات تكنولوجية ومعلوماتية وديموغرافية، وخرائط جيوسياسية، ونماذج تنموية وتفاقم التفاوتات بين الطبقات الدنيا والعليا والمتوسطة، وتراجع فكرة «دولة الرفاه»، وتصاعد ظواهر التعدد والتنوع، والنزوح والتنقل والنزاعات، وازدياد منسوب التضليل الإعلامي والمعلومات المضللة... إلخ.
ورغم كثرة ترديد مصطلح «المواطَنة» في خطابنا الإعلامي والاجتماعي، إلا أن هناك حاجة ماسة لإدراج مفهوم المواطَنة في برامج التربية والتعليم، وفي بيئة الأسرة، لكي يكتسب الطفل الشعور الوجداني بمعانيها وقيمها، وبالمسؤولية تجاه الآخر، في المدرسة وفي الجوار، وبحب الوطن، والولاء له، إضافة إلى تزويده بالمعارف والمهارات والتفاعل التعاوني، والمشاركة المجتمعية ومحبة العدالة والمساواة.
لا نبالغ لو قلنا إن مبدأ المواطَنة هو موضوع الساعة في وطننا العربي الكبير والمرهق والقلق، وهو الرديف لجوهر الديمقراطية، في حين تغيب مبادئ «المواطَنة» المتكافئة في النظم السياسية الشمولية والاستبدادية.
إن نجاح ممارسة مبدأ المواطَنة يوفر النضج الثقافي والرقي الحضاري، ويحمي النسيج الوطني الاجتماعي، ويضمن مصالح الأوطان، ويغذِّي عقول الأجيال الشابة، بالمعرفة العميقة بمقدرات الوطن، وتاريخه وأرضه وتراثه وموارده وتقاليده وإدارته.
إن الممارسة الإيجابية لمبدأ المواطَنة، وترجمة مفاهيمه وقيمه إلى سلوك اجتماعي، وسياسات ومناهج وتشريعات.. هي ثمرة نافعة من ثمرات الدولة الحديثة في عالم اليوم، الدولة الوطنية المنفتحة على الحداثة السياسية، والقائمة على أساس الحقوق والواجبات.