بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الصبر ضياء وطاقة إيجابية، كما جاء في حديث مسلم فقال: «الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك». وقد أوصى الله تعالى عباده المسلمين بالتواصي فيما بينهم بالصبر، فقال: «وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» (سورة العصر: الآية 3)، وذكر الله تعالى التواصي بالصبر بشكل خاص مع كونه جزءاً من التواصي بالحق، لأهميته البالغة، وكبير أثره في بلوغ النجاة، وتحقيق السلامة من الخسران في الدنيا والآخرة، فالصبر عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، وينال ثوابها منه سبحانه، فما أعظم ما بشر به الله الصابرين.
يقول فتحي الإبياري في «الموسوعة المحمدية»، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له» رواه مسلم. ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم»، قال تعالى: «وَاللّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ» (آل عمران: 146). وللصابرين عند ربهم منزلة عظيمة فهم يلقبون يوم القيامة ب«أهل الفضل»، نظراً لما يلاقون في دنياهم من ابتلاءات فيصبرون عليها، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الصبر في البلاء، وكان يبث التفاؤل والثقة في قلوبهم، فما أروعها من طاقات روحية وإيجابية من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم كلها صبر ومصابرة، فقد صبر على ما تعرض له من أذى من قومه وبعض أهله وعشيرته وهو بمكة يبلغ رسالة ربه، وصبر على رد دعوته وتكذيبه، وما دعا على قومه ولا يئس من هدايتهم، وإنما سار على نهجه صابراً محتسباً، وصبر على الحصار في شعب أبي طالب ثلاث سنوات، وعلى فقد زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب في عام الحزن، ومن عظمة صبره صلى الله عليه وسلم عندما مات أبناؤه كلهم في حياته، إلا فاطمة رضي الله عنها، كما صبر على محاولات قتله واغتياله، وصبره على مواجهة المشركين في مكة، ومواجهة المنافقين في المدينة، ومكر اليهود، لتشكل هذه المواقف صفحات مضيئة من صبره عليه الصلاة والسلام. وكان أعظم صبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مرض قبيل انتقاله إلى الرفيق الأعلى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع (المرض) من رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك (يتألم من الحمّى)، فمسستُه بيدي، فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجل (نعم)، إني أُوعك كما يوعك رجُلان منكم»، فكانت حياته عليه الصلاة والسلام من ابتلاء إلى آخر، فما كان منه إلا أن يصبر ويتوكل على الله ويُحافظ على ابتسامته الصادقة، وأخلاقه الرفيعة، وطاقاته الإيجابية والروحية العالية.
وكان خير من يُحتذى بخطاه وأعظم من نتمثل بأخلاقه، وما يُساعدنا في ظروف الحياة هو أن نتحلى بخُلق الصبر فهو ضياء للنفس وسكينة لها، برضاها بقضاء الله وقدره. ولم يكن صبر الرسول صلى الله عليه وسلم مقصوراً على الابتلاءات فقط، بل كان صبره ممتداً للطاعة، فعلى الرغم من أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلا أنه صلوات ربي عليه كان يكثر من الصلاة والذكر والدعاء والصيام، وكان يقوم حتى تتورم قدماه من كثرة العبادة والوقوف بين يدي الله، وعندما سأله أحدهم عن ذلك متعجباً لأن الله قد غفر له ما تقدم وما تأخر، فقال صلى الله عليه وسلم «أفلا أكونُ عبداً شَكوراَ» (صحيح البخاري). وأخيراً، فالصبر خلق عظيم، وله فضائل كثيرة منها أن الله يضاعف أجر الصابرين على غيرهم، ويوفيهم أجرهم بغير حساب، فكل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، قال تعالى: «إنَمَا يُوَفَى الصَابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيرٍ حِسابٍ» (الزمر: 10). ومكانة الصابرين في معية الله، فهو معهم بهدايته ونصره وفتحه.