الشارقة: جاكاتي الشيخ

انطلقت مساء أمس الأول الجمعة في المدرسة القاسمية بالشارقة، فعاليات الدورة السابعة عشرة من «لقاء مارس» السنوي، الذي ينظم هذه السنة تحت شعار «في رِحالنا الأغنيات»، ويستمر حتى 9 من هذا الشهر بفعاليات وأنشطة متنوعة.
يتزامن انعقاد هذه الدورة من اللقاء مع شهر رمضان المبارك، شهر العطاء والتواصل، حيث يسمح ذلك بتجسيد الكثير من قيم هذا الشهر في اللقاء، أولها «التواصل» وتبادل الأفكار والآراء، وذلك عبر الجلسات الحوارية التي يستضيفها اللقاء كل يوم من أيامه، مُحتفيةً بقوة التجمع ودعم الآخرين، وما يختتم به كل يوم من لحظات، يجتمع فيها المشاركون والجمهور حول مآدب الطعام والعروض الموسيقية في استلهام لقيم الشهر الفضيل.
في كلمتها الافتتاحية بالمناسبة، رحبت الشيخة حور القاسمي، رئيس مؤسسة الشارقة للفنون، بالحضور، وقالت: «لقد عملنا في مؤسسة الشارقة للفنون منذ انطلاق لقاء مارس 2008، على تعزيز دوره وتوسيع آفاقه، بوصفه منصة تجمع مختلف العاملين في قطاع الفنون لتبادل الأفكار، وتنمية التعاون فيما بينهم، وصياغة واستشراف تصورات جديدة وإمكانات مستقبلية» وأشارت إلى أهمية انعقاده هذا العام بالتزامن مع «بينالي الشارقة 16 رحالنا»، الذي انطلق في 6 فبراير الماضي. وتقيّمه: علياء سواستيكا، وأمل خلف، وميغان تاماتي كوينيل، وناتاشا جينوالا، وزينب أوز، الذي يجسّد شعاره «رحالنا» مقترحاً أن يحمل أصواتاً متعددة، ويفتح المجال أمام التأويلات المختلفة، مركزاً على استكشاف أحمالنا خلال رحلاتنا الحياتية، وكيف ننقل هذه الأحمال إلى العالم، ومقدماً، في الوقت نفسه، دعوة للمشاركين والجمهور إلى استكشاف الأساليب الفنية المتنوعة، التي تتبنّاها القيمات والرؤى والتأملات المستلهمة من تجاربهن التقييمية.
وتابعت حور القاسمي: «في هذا السياق يأتي لقاء مارس هذا العام بعنوان «في رحالنا الأغنيات» ويركز على دور الروح الجماعية لمجتمعاتنا في صون المعرفة ونقلها، حيث تساعدنا الأغنيات على التذكر، حاملة في طياتها ثقافة وتاريخاً وذاكرة، فهي بمثابة خرائط تقودنا، وأنفاساً نتشاركها معاً، وفضاء مشتركاً للإصغاء».
تساؤلات جوهرية
انطلاقاً من تساؤلات جوهرية ماثلة في: ما الذي يبقى محفوظاً؟ وما الذي ينتقل عبر الجسد، عبر الصوت؟ وعبر تلك التضامنات الصامتة الحاضرة في تفاصيل الحياة اليومية؟ يستكشف اللقاء ثيمته كشاهد شعري، محولاً الأرشيفات إلى ذاكرة مشتركة، وتتزين أمسياته بلحظات يتجسد فيها التشارك عبر العروض الأدائية، وموائد السحور، والنقاشات المتبادلة، لتشكل فضاءً جماعياً للاحتفاء بروح التضامن والتواصل، من خلال برنامج ثري، يتضمن عدة جلسات حوارية وعروض أدائية وفعاليات موسيقية، تكرس أهمية العمل الجماعي من خلال الأغاني والتواصل والمعرفة المتوارثة والقصص والشعر.
وفي اليوم الافتتاحي بدأ البرنامج بجلسة بين الفنان الإماراتي هاشل اللمكي، والقيّمة أمل خلف التي حاورته لاستكشاف التقاطعات بين الفن والأصول التربوية الجماعية، والذاكرة الثقافية، حيث غاص النقاش في دور التعلم الجماعي، والتجريب المادي، والحوار بين الثقافات في رسم معالم الممارسات الفنية المعاصرة، وطرح رؤى جديدة حول دور التدخلات الفنية في الربط بين البيئات الطبيعية والمبنية، وتناول مشاريع اللمكي المشاركة في بينالي الشارقة 16 لا سيما عمله التركيبي محدد الموقع «ماعت» (2025)، ولوحته متعددة الألواح «عشاق بدوام جزئي».
أما الجلسة الثانية فكانت مع الفنانين محمد الحواجري، ودينا مطر، وهما زوجان قادمان من غزة للإقامة في الإمارات، حامليْن ما تبقّى من أعمالهما الفنية، حيث تحدّثا عن الصعوبات التي واجهتهما طوال مسيرتهما الفنية، والتي لم تمنعهما من المضّي في تلك المسيرة، لأنهما لا يريان اختلافاً بينهما وبين أي فنان في العالم، لأن الفن نابع من الطبيعة الإنسانية، وتحدثا عن تجربتهما في الشارقة، والتي منحتهما فرصة الاطّلاع على الكثير من الأعمال الفنية الرائعة عن قرب، ولقاء العديد من الفنانين العالميين، ما فتح أمامهما آفاقاً فنية رحبة.
واختتم اليوم الأول بعرض أدائي للمؤلفة الموسيقية والمؤدية هويدا، بعنوان «محبة الأرواح تسير العوالم – إخلاص»، حيث ابتكرت في هذا الأداء الصوتي أجواء فريدة، ملأى بالأصوات الغرائبية القادمة من عوالم مغايرة، من خلال نسجها شبكةً من الإيقاعات والأصوات الغنائية، فعكس أداؤها فكرتها عن الحب، باعتباره عالماً متعدد الأبعاد، وشكلاً من أشكال الاستسلام الجماعي إلى حالة من السيولة.
برنامج مستمر
ويستمر البرنامج في اليوم الثاني بعدة فعاليات، تبدأ بأغنية يقدمها الموسيقي وفنان الصوت مارا تي كي، الذي ينحدر من الشعوب الأصلية في نيوزيلندا، يليه العرض الأدائي «كائنات تواقة، جوقة متمردة»، وهي حوارية بين الشاعرة والكاتبة والمترجمة أثينا فرخزاد ومينا كانداسامي، تديرها القيّمة ناتاشا جينوالا، ثم جلسة حوار «إرث التحولات»، بين الفنان رافن تشاكون، ونيسي كامبستون، والمخرج سوباش ثيبي ليمبو، فيما تدير علياء سواستيكا إحدى قيمات البينالي، محاضرة وعرض طهي بعنوان «الطبخ كتجسيد للذاكرة» يقدم فيه سوفي وايوديانتو والناشط الغذائي ديكي سيندا سردية تأويلية للطعام، وتختتم الموسيقية آتا راتو الجلسة بأداء أغانٍ تتناول تأثير الحداثة على علاقة البشر بالطبيعة من وجهة نظر نقدية.
التحول الدستوري
اليوم الختامي، سيحتضن جلسة حوارية بعنوان «جذور السلطة: الأسس الإقطاعية والاقتصادات الحديثة»، تديرها زينب أوز، بمشاركة الفنانة أوليفيا بليندر والمتخصصة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية سيليا بليندر، وتتبعها جلسة ثانية بعنوان «فن التحول الدستوري» يتحاور فيها الفنان لوك ويليس تومبسون مع القيّمة ميغان تاماتي-كوينيل، حول أحدث أعماله في الصورة المتحركة «وَكاموِمُوئَا» (2025)، ثم جلسة حوارية أخرى تديرها زينب أوز بعنوان «الأبجديات والتقاليد اللغوية»، بين الفنانتين ديليك وينشستر وآنا إتي، ويُختتم البرنامج بعرض يناغم بين الشعر الصوفي والتراث البنجابي تقدمه فرقة «تشار يار – رباعي الفقيري»، بمشاركة مادان غوبال سينغ، وديباك كاستيلينو، وبريتام غوسال، وأمجد خان.