يقول عدنان الطرشة، في كتاب «ماذا يحب النبي؟»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد». وقال «ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك». هي مكة المكرمة، والبلد الأمين، والبلد الحرام، وهي أول بيت وُضع للناس لعبادة الله وتوحيده، لقد حدثت في مكة أحداث عظيمة الخطب، جليلة القدر، من بناء الكعبة، وبعثة رسول الله صلى عليه وسلم وظهور الإسلام، ومكة كرمها الله، هي أحب الأرض إلى الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله»، وأقسم بها في موضعين من كتابه العزيز، فقال تعالى: «لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ» (سورة البلد: الآية 1)، وقال تعالى: «وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ» (سورة التين: الآية 3).
يوم فتح مكة، سمع الرسول صلى الله عليه وسلم سمع سعد بن عبادة- وكان يحمل راية الأنصار- يقول: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، فردّ الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول:«اليوم «يوم المرحمة» ونزع الراية من يد سعد وأعطاها لابنه قيس، فلم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم العظيم أن يستحل حرمة مكة.
ولأن الله سبحانه وتعالى أدّب محمداً وأحسن تأديبه، بدأ هو بتحريم العدوان على هذه المقدسات.
وعندما دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة المكرمة وصلى فيها، ثم خرج ودعا عثمان بن طلحة رضي الله عنه وهو من بني عبد الدار، وبنو عبد الدار من أعظم القبائل القرشية أيضاً، فهي حاملة مفتاح الكعبة أباً عن جد لعشرات السنين، وأمره أن يأتي بمفتاح الكعبة، فظن الجميع أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيأخذ منهم مفتاح الكعبة، ليعطيه لأحد أقاربه من بني هاشم، بل إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه طلب ذلك صراحة، فيكون ذلك شرف الدهر، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أخذ المفتاح ووضعه في يد عثمان بن طلحة رضي الله عنه وأرضاه، لإعطائه العزة بطاقة إيجابية نابعة من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء، اليوم يوم بر ووفاء، خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم»، وظل مفتاح الكعبة مع بني عبدالدار، وهو إلى الآن في نسل بني عبدالدار بكلمة الرسول عليه الصلاة والسلام: «خذوها خالدة تالدة»، كانت هذه من أكبر وأرقى الطاقات التاريخية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة.
يذكر د.أنور الجندي في كتاب «بماذا انتصر المسلمون؟»، لقد وقف الرسول عليه الصلاة والسلام في صحن الكعبة في يوم فتح مكة ودعا أهل مكة جميعاً إلى أن يأتوا إلى الكعبة، فأتوا جميعاً بعد صراع طويل جداً وإيذاء للرسول عليه الصلاة والسلام، وسألهم صلى الله عليه وسلم سؤالاً واحداً: «ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيراً.. أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم»، قال في منتهى الرحمة والعفو: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فأطلقهم جميعاً من غير فداء، فكان من أعظم الطاقات النورانية والإيجابية على رسول الله وأهل مكة.
وبالفعل بعد هذا الإطلاق العظيم اجتمع شعب مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا وأخذوا يبايعونه جميعاً على الإسلام، وانتهت أحزان الرسول صلى الله عليه وسلم التي أخبر سبحانه عنها بقوله: «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (الشعراء: 3).