في محاولة منه للوفاء بوعوده الانتخابية بشان فتح أرشيف اغتيال الرئيس الأسبق جون كنيدي عام 1963، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وثاثق تكشف لأول مرة تتعلق بهذه الحدث الدامي الذي شهدته ولاية تكساس، ونشرت إدارة الأرشيف جميع الوثائق البالغ عددها 1123 والمكونة من قرابة 80 ألف صفحة ولكن هل تكشف الوثائق عن معلومات جديدة حول جاك روبي الرجل الذي اغتال لي هارفي أوزوالد المتهم بقتل كينيدي والذي يعتبره البعض «حجر رشيد» قضية كنيدي. 
ورغم أن نسبة الوثائق المفرج عنها من تلك القضية حتى الآن بلغ 97 في المئة بواقع ستة ملايين صفحة، إلا أن محللين فحصوا الوثائق أكدوا لوسائل إعلام أمريكية أن الفرص ضئيلة في أن تظهر تلك المنشورات أي شيء جديد يعيد كتابة القصة الأساسية لما حدث في ذلك اليوم، لاسيما أن القصة الفيصلية في القضية لم تنفض غبار الغموض عن صفحاتها ودوافع روبي إلى إطلاق النار على أوزوالد ما تزال مجهولة. 
وظل الغموض الذي يكتنف دوافع جاك روبي لقتل القاتل يغذي نظريات المؤامرة المحيطة باغتيال كينيدي لأعوام طويلة، إذ اعتبره بعض الأمريكيين «حجر رشيد» الوحيد الذي يمكن استخدامه لكشف غموض «نظرية المؤامرة»، رافضين إحدى الروايات التي تضمنها وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي ولجنة وارن التي شكلها الرئيس ليندون جونسون، التي تؤكد أن لي هارفي أوزوالد وجاك روبي لم يتآمرا معاً لاغتيال الرئيس كينيدي، وأن روبي مجرد رجل أحب كينيدي فانتقم له. 


من هو جاك روبي؟
وُلد جاك روبي واسمه الأصلي جاكوب ليون روبنشتاين عام 1911 في شيكاغو ونجا من نشأة صادمة وعنيفة عاشها، حين اشتبك مع الشرطة في عدد من المناسبات وقضى معظم وقته في عالم الجريمة أو بالقرب منه.
عاش جاك روبي أعوام عمره الـ50 الأولى نكرة، أو كمحتال صغير، لكنه في النهاية جرب سلسلة مشاريع تجارية من دون نجاح يُذكر، وكان أول فشل له في مكان يدعى نادي سوفرين وهو ملهى ليلي ونادٍ لم يكتب له النجاح، فأعاد تسميته بنادي كاروسيل.
وتشير بعض الوثائق التي كُشف عنها إلى أنه بحلول عام 1963 كان روبي مرتبطاً بشخصيات متورطة في أنشطة غير قانونية بما في ذلك المقامرة والابتزاز، وكانت له صلات أعمق بالجريمة المنظمة مما كان يُعتقد سابقاً، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان قد تصرف بشكل مستقل أم أنه تلقى تعليمات لقتل أوزوالد لإسكاته أو للتغطية على قاتل آخر مجهول، بخاصة بعد التقارير التي رددت خبر وجود مطلق نار ثانٍ في مكان الحادثة وقت اغتيال كينيدي.
أدين جاك روبي بتهمة القتل العمد لهارفي أوزوالد، وخلال محاكمة القتل، ادعى روبي أنه كان يعاني صرعاً نفسياً حركياً، يُطلق عليه اسم صرع الفص الصدغي نظراً إلى موقعه في الدماغ، إذ ادعى محامي الدفاع عنه ملفين بيلي بأن هذه الحالة تسببت في فقدان روبي وعيه وإطلاق النار على أوزوالد لا شعورياً، لكن المحكمة دانت روبي بتهمة قتل أوزوالد من الدرجة الأولى وحكمت عليه بالإعدام بالكرسي الكهربائي، لكن في عام 1966 ألغت محكمة استئناف تكساس القرار.
وربما الأحداث التي تلت حكم المحكمة ذلك هي المفتاح الذي فتح أبواب نظريات المؤامرة على مصراعيها، إذ فجاة أُصيب جاك روبي بالمرض وتم تشخيص إصابته بسرطان الرئة وتوفي بحسب التقارير الطبية بسبب انسداد رئوي في 3 يناير 1967.


كيف نشأت «نظرية المؤامرة» ؟
في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1963، اغتيل كينيدي برصاص بندقية أثناء مرور موكبه في مدينة دالاس، وكان يركب سيارة مكشوفة برفقة زوجته جاكلين وحاكم ولاية تكساس جون كونالي، واعتقل لي هارفي أوزولد في دالاس يوم إطلاق النار، واتهم باغتيال الرئيس، لكنه نفى التهم التي وجهت له مدعياً أنه «مجرد شخص ساذج».
بعد يومين فقط من اغتيال كينيدي واتهام أوزوالد بارتكاب الجريمة، ظل المتهم الذي زار السفارة السوفييتية والقنصلية الكوبية في مكسيكو سيتي قبل أسابيع من الاغتيال في حال إنكار شديد لقيامه بالاغتيال من نافذة مخزن كتب بمدرسة كان يعمل بها، وكانت تطل على الطريق الذي سار به موكب الرئيس الأمريكي.
وفي الرابع والعشرين من نوفمبر كان المسؤولون يستعدون لنقل أوزوالد إلى سجن شديد الحراسة وسط مجموعة من المراسلين والمصورين في قبو مقر شرطة دالاس، ولكن فجأة خرج جاك روبي من بينهم وغرز مسدساً في بطن أوزوالد المكبل بالأغلال وقتله فوراً على الهواء مباشرة. 
في البداية، نال جاك روبي قدراً من الشهرة إذ أصبح بالنسبة إلى بعض الأمريكيين، قاتل القاتل، منتقماً للرئيس الأمريكي، وعندما انتشر خبر مقتل أوزوالد لأول مرة، عمت الهتافات شوارع دالاس، وتلقى روبي في الأيام التالية مئات من رسائل الدعم، ولكن في ذات الوقت اعتبره آخرون مجرد أداة في مؤامرة قتل عالمية لاسيما بعد ادّعائه الهش بأنه قتل أوزوالد من أجل تجنيب جاكلين كينيدي الاضطرار إلى الإدلاء بشهادتها في محاكمة أوزوالد.
اعتقد كثير من مُنظري المؤامرة أن روبي أدى دوراً أكبر في اغتيال الرئيس كينيدي وانتشرت تقارير واسعة النطاق تفيد بأن روبي ترك كلبه في السيارة لدعم حجته بأن إطلاق النار لم يكن مخططاً له ومع ذلك ظل روبي على إنكاره مؤكداً أنه كان يتصرف بشكل متهور تحت تأثير الأدوية الموصوفة. 
أين الحقيقة؟ 
نُسبت جريمة قتل كينيدي إلى مسلح واحد، هو أوزوالد وأكدت وزارة العدل وهيئات حكومية اتحادية أخرى هذا الاستنتاج خلال العقود التي تلت ذلك لكن استطلاعات الرأي تُظهر أن العديد من الأمريكيين ما زالوا يعتقدون بأن وفاته كانت نتيجة مؤامرة.
وعلى مدى عقود، سعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى إبقاء هذه الوثائق سرية، خشية كشف أساليبها في التجسس، فيما أجلت الحكومات المتعاقبة نشرها بحجة الحفاظ على «الأمن القومي» وعلى رغم إصدار ترمب قراراً برفع السرية عن معظمها، لا تزال آلاف الملفات غير منشورة، ويعتقد أنها تحتوي على تفاصيل حساسة حول جهات قد تكون متورطة في العملية.
وخلال السنوات الأخيرة، نشرت إدارة الأرشيف والوثائق الوطنية الأمريكية عشرات آلاف السجلات المتعلقة باغتيال كينيدي، مشيرة إلى أن 97 في المئة منها باتت متاحة وتشمل نحو 6 ملايين صفحة ومع ذلك، لا تزال ثلاثة في المئة من الوثائق سرية، مما يثير تساؤلات حول محتواها، وما إذا كانت تخفي أدلة حساسة ولاسيما الدوافع الحقيقة التي حركت مقامر غير معروف للانتقام لرئيس أكبر قوة استخباراتية آنذاك. 

 

ء