الشارقة: جاكاتي الشيخ
«محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار» لابن عربي هو واحد من الكتب الأدبية الممتعة، التي حازت شهرتها بسبب تميّز مادتها المتنوعة، حيث استطاع فيه المؤلف اتخاذ الأدب سبيلاً إلى تقديم محتواه على تشعّبه، فلا يكاد المتصفح يمر على صفحة دون أن يشدّه ما يجد فيها من شعر بديع أو نثر بليغ.
رغم أن ابن عربي واحد من أشهر المتصوفين في التاريخ الإسلامي، إلا أنه في هذا الكتاب، أبان عن قدراته الأدبية ككاتب يمكنه جمع القراء على صعيد واحد، بغض النظر عن اختلافهم، حيث يقول في مقدمة الكتاب: «فإني أودعتُ في هذا الكتاب الذي سمّيته محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار ضروباً من الآداب وفنوناً من المواعظ والأمثال والحكايات النادرة، والأخبار السائرة، وسِيَر الأولين من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وأخبار ملوك العرب والعجم»، حتى يقول: «وما أودع الله من عجائب الصنع وبديع الحكمة، وسردتُ فيه نُبَذا من الإنسان، وفنوناً من مكارم ذوي الأحساب، وحكايات مضحكات مسليّة، ما لم تكن للدين مفسدة، مما تستريح النفوس إليها عن إيرادها، مما لا أجر فيه ولا وِزر».
حصَر ابن عربي في الكتاب مادة شيّقة، تمكّن من تقديمها بأسلوب ممتع، وقد اعتمد في جمعها على ما اطلّع عليه بنفسه، وما حدّثه به الثقات، بالإضافة إلى ما نقله من الكتب المشهورة في المجال، والتي ذكَر عناوينها وأسماء أصحابها، سواء تلك التي روَى منها سماعاً من مؤلفيها، أو التي قرأها، مع العلم أن من بينها ما لم يصل إلينا، فكان كتابه المصدر الوحيد لبعض محتوياتها لتطّلع الأجيال اللاحقة عليها. وقد حاول ابن عربي أن يبتعد في الكتاب عن كل ما يتصل بعيوب الناس من هجاء، وذكر للمثالب وما إلى ذلك، مستعيضاً عنه بما فيه الثناء، قصد ترسيخ القيم الفاضلة في قرائه، كما اعتمد بعض التصرفات التي لا تُشوّه سمعة من يذكرهم في الكتاب.
فوائد
صدّر كتابه بفصل خصّصه لما ذُكر في شرف مجالسة الكتب دون الناس، وما فيها من فوائد، حيث أورد العديد من المقاطع الشعرية والنثرية، منها قول بعضهم: «الكتاب نعم الذخيرة والعقدة، والجليس والعمدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس بساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القربة والدخيل، ونعم الوزير والنزيل».
اشتمل الكتاب على موضوعات أدبية ولغوية عديدة، منها أخبار وقصص بعض البلغاء والشعراء، ومجموعة من القصائد النادرة، وبعض القضايا البلاغية، وأمثال منظومة ومنثورة، وشعر الوطن وحبه والغربة عنه، وجيّد الشعر في الجود والشجاعة، وجواهر الكلام البليغ، وحسن التلطف في المكاتبة، وحسن الجواب، ومحاسن المخاطبة والمزاح، والإيقاع وحسن الاستماع، والمواعظ على مجالس الذكر، ومواعظ بعض الأعراب للخلفاء والأمراء، ومواعظ بعض المجانين للعقلاء، ومجموعة من الحكم والوصايا، وفصيح كلام العرب.
ورغم وفرة ما كان بين يديه من مادة شعرية ونثرية، فإن ذلك لم يمنع ابن عربي من أن يودع هذا الكتاب بعض أقواله الشخصية، وإنتاجه الشعري في عدة أغراض، بما فيها من آداب وحكم، وفخر، وغير ذلك مما يوافق رؤيته فيه، وهدفه من وراء تأليفه.
طبع الكتاب عدة مرات من بينها طبعة مطبعة السعادة في القاهرة سنة 1906م، وطبعة دار اليقظة العربية في دمشق سنة 1968م، وطبعة دار الكتب العلمية في بيروت سنة 2007م، بتحقيق محمد عبد الكريم النمري.
إضاءة
محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الشهير باسم محيي الدين بن عربي، عالم، وشاعر، وفيلسوف، وواحد من أشهر المتصوفين، عاش ما بين 558ه/ 1164م و638ه/ 1240م، لقّبه أتباعه وغيرهم من الصوفيين ب «الشيخ الأكبر»، ولد في «مرسية» في الأندلس، حيث كان أبوه من أئمة الفقه والحديث والتصوف هناك، وكان جده أحد قضاة الأندلس وعلمائها، فنشأ في جو ديني، وإبّان حكم السلطان محمد بن سعد لإشبيلية انتقل والده إليها، ودفَع به إلى أبي بكر بن خلف عميد الفقهاء، ليدرّسه القرآن الكريم بالقراءات السبع، فما أتم العاشرة من عمره حتى كان مُلماً بالقراءات، والمعاني، ثم سلّمه أبوه بعد ذلك إلى طائفة متنقلة من رجال الحديث والفقه، حيث استقر أخيراً في دمشق، وقضى فيها بقية حياته، فكان واحداً من أبرز أعلامها حتى وفاته فيها، وترجمت أعماله إلى عدة لغات، وظلّت ذات شأن كبير في مختلف أنحاء العالم، ويذكر أنه ألّف ما يزيد على 800 كتاب، لم يبق منها سوى 100 تقريباً، منها: تفسيره للقرآن المسمّى «تفسير ابن عربي»، و«الفتوحات المكية»، و«فصوص الحكم»، و«ترجمان الأشواق»، و«شجرة الكون»، و«الإعلام بإشارات أهل الإلهام»، و«كتاب اليقين»، و«شطرنج العارفين».