الشارقة: جاكاتي الشيخ

ينظر إلى كتاب «لباب الآداب» للأمير أسامة بن منقذ، بوصفه واحداً من أجود كتب الأدب العربي في المكتبة العربية، حيث يعتبر مؤلِّفه من مشاهير الأمراء الكُتّاب، وقد ألّفه في أواخر حياته، ليكون ثمرة يانعة من ثمار عقله وخلاصة ذوقه، بعد أن حنكته التجارب وراضته الأيام وتشرّب لباب أرفع الفنون والآداب.
جمع أسامة بن منقذ مادة هذا الكتاب وهو في كيفا، ورتّبه وأخرجه بعد أن عاد إلى دمشق ويذكر في آخره أنه ألّفه وهو ابن إحدى وتسعين سنة، الشيء الذي يمكن أن يستشف من المحتوى المُكثّف للكتاب كذلك، حيث ينتقل بقارئه من روض إلى روض، فيجتني من الحكمة أزاهيرها ومن الأدب روائعه ويبسط اقتباسات من مكارم الأخلاق، مقدّماً كل ذلك في أسلوب الخبير الذي عرف الحياة على مختلف أوجهها، وأراد أن يجمع للآخرين ما راقَه من عبرها، وبديع ما قيل أو كتب مما يُمتع القارئ ويصقل ذائقته.
قسّم المؤلف الكتاب إلى سبعة أبواب، هي: باب الوصايا وباب السياسة وباب الكرم وباب الشجاعة وباب الآداب وباب البلاغة الذي تناول فيه مجموعة ألفاظ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة وسواهم ممن أخذوا بناصية اللغة العربية على أصولها، وعرض فيه آراءه في محاسن الشعر وجميل الأدب وبليغ التشبيه، بالإضافة إلى بعض المواضيع الأدبية الأخرى مثل محاسن المديح، والاعتذار والعتاب في الشعر، ثم أتبعه بباب في الحكمة اشتمل على عبارات وقصص في معانٍ شتى، منها بعض كلام سليمان عليه السلام وألفاظ أفلاطون ونوادر الفيلسوف اليوناني فيثاغورس وغيرهم من الحكماء.
ويبدأ كل باب بما ورد في موضوعه من آيات القرآن الكريم، تليها أحاديث نبوية، ثم أقوال مأثورة.
ومن مميزات الكتاب احتواؤه على أمور كثيرة، منها ما ذكرته كتب الأدب الأخرى، السابقة له أو المعاصرة ومنها أمور وقعت للمؤلف أو حدثت في زمانه، أو اطّلع عليها من مصادر حصرية، مثل بعض الأخبار والحكايات المتنوعة وأقوال من النثر والشعر، كأبيات لعامر بن الطفيل لم تذكر في ديوانه المطبوع في أوروبا، رغم أن المستشرق الذي طبعه جمع فيه كل ما وجده في كتب الأدب القديمة، كما توجد فيه أبيات لأبي العلاء المعرّي لم يعثر عليها في غيره من الكتب وكذلك أخرى لمالك بن حريم الهمذاني وابن المعتز، وغيرهم.

نسخة أصلية


مما يبرهن على أهمية هذا الكتاب ما تركه من أثر لدى من جاء بعده، حيث أعدّوه خلاصة مصنّفات ابن منقذ، التي امتازت بطابعها الأدبي الرفيع، إذ يقول عنه العماد الأصبهاني الكاتب: «وأسامة كاسمه، في قوة نثره ونظمه، يلوح في كلامه أمارة الإمارة، ويؤسّس بيت قريضه عمارة العبارة، حلو المجالسة، حالي المساجلة، ندي النّدى بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف».
وتعتبر النسخة الأصلية لهذا الكتاب من أقدم مخطوطات الكتب العربية المحفوظة التي وصلتنا، حيث توجد في مصر، وقد كتبت سنة 579 هجرية، مُهداة من المؤلف لابنه، الذي كتب عليها التالي: «حباني مولاي والدي مجد الدين مؤيد الدولة – وفقه الله – بهذا الكتاب، الذي هو من تأليفه بدمشق المحروسة، في شهور سنة اثنتين وثمانين وخمس مئة».
وقد طبع عدة مرات، كانت أولاها طبعة مكتبة لويس سركيس في القاهرة سنة 1935م، بتحقيق أحمد محمد شاكر ومنها طبعة دار الكتب العلمية في بيروت سنة 1991م، بتحقيق محمد علي بيضون.

إضاءة


أبو المُظَفَّر أسامة بن مرشِد بن علي بن مقلد بنِ مُنقذ الكلبي الشَّيْزَرِي، الملقب ب «مؤيد الدولة»، أمير وفارس من بني منقذ، وشاعر أديب ومؤرخ، عاش ما بين 488ه/ و584ه (1095م/1188م)، ولد في قلعة شيزر شمالي حماة، ونشأ تحت رعاية والديه، حيث كان والده يُعوِّده الشجاعةَ والإقدام منذ صغره وتلقى العلم في بلده على عادة الأمراء في ذلك العصر، فدرس الفقه والحديث وعلوم العربية وكانت له فيما بعد يد طولى في الأدب والكتابة والشعر، حيث ساعده على ذلك كون أقاربه أمراء شيزر كانوا مقصد الشعراء والأدباء، وكان منهم عددٌ غير قليل من الشعراء، فكان لتلك البيئة دور كبير في تنشئته الأدبية والعلمية ويذكر عنه ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» أنه كان يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب في الجاهليّة وقد تفرغ أسامة للتأليف بعد أن تجاوز السبعين من عمره، واستمر على ذلك حتى وفاته، فألف –بالإضافة إلى «لباب الآداب»– ما يقارب عشرين كتاباً في مجالات متفرقة، ضاع أكثرها، منها: «الاعتبار» و«البديع في نقد الشعر» و«المنازل والديار» و«كتاب العصا» و«مختصر مناقب عمر بن الخطاب» و«مختصر مناقب عمر بن عبد العزيز»، وديوانه الشعري الذي جمع فيه الكثير من قصائده.
ينظر إلى كتاب «لباب الآداب» للأمير أسامة بن منقذ، بوصفه واحداً من أجود كتب الأدب العربي في المكتبة العربية، حيث يعتبر مؤلِّفه من مشاهير الأمراء الكُتّاب، وقد ألّفه في أواخر حياته، ليكون ثمرة يانعة من ثمار عقله وخلاصة ذوقه، بعد أن حنكته التجارب وراضته الأيام وتشرّب لباب أرفع الفنون والآداب.