إعداد: محمد كمال
ما بين السرية، أو السرية للغاية، وغيرهما، تضاربت التوصيفات الإعلامية، ربما عن غير قصد، لـ «تسريبات سيغنال» الخاصة بالمحادثة الجماعية لكبار مسؤولي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن الهجمات على معاقل الحوثيين في اليمن، رغم أن كل توصيف منها يحتاج لتدقيق شديد لسببين رئيسيين، أولهما، ما يترتب عليه من عواقب جنائية، وثانيهما لأن الإدارة الأمريكية تحاول تفادي الأزمة عن طريق اللعب على وتر الدلالات، وأن ما تم تسريبه كان «خطة حرب»، أو «تحديثاً آنياً للهجوم»، رغم ما يحمله كلا الأمرين من مخاطر.
وبالنسبة للعديد من العاملين في مجال العمليات العسكرية والاستخباراتية السرية، فإن الأمر لا يحتاج إلى ملف أحمر أو علامات حكومية خاصة ليعرف أن أي خطط هجوم قادم شديدة السرية. ومع ذلك، يراهن كبار مسؤولي الإدارة على الطبيعة البيروقراطية لتصنيف المعلومات في الولايات المتحدة.
وفي المحادثات التي نشرتها كاملة مجلة «ذا أتلانتك»، فقد كشف وزير الدفاع الأمريكي عن موعد سقوط القنابل على معاقل الحوثيين قبل تنفيذ الهجوم بساعتين في بعضها وبـ30 دقيقة في أخرى، وهو وقت اعتبره عدد من المراقبين كاف لشن الجهة الأخرى هجوماً رادعاً، ما يعني أن المعلومات التي تم نشرها عالية الخطورة بالنسبة للأمن القومي.
كيف تُصنف المعلومات في أمريكا؟
يمكن لكل وكالة معنية بأسرار الأمن القومي الأمريكي تصنيف المعلومات على أنها سرية، وتنقسم المعلومات السرية إلى ثلاث فئات أساسية:
ـ سرية أو محاطة بالسرية (confidential)، وتعبر عن المستوى الأدنى في التصنيفات الأمنية، وتستخدم للبيانات أو المعلومات الحساسة التي لا يفترض مشاركتها مع غير المصرح لهم، ولكنها ليست بالضرورة خطرة على الأمن القومي، مثل العقود أو البيانات الشخصية ومنها السجلات الطبية.
ـ سري للغاية (secret)، وتشير إلى التصنيف التالي في التصنيفات الأمنية، وتتعلق بمعلومات ذات حماية أعلى، وترتبط غالباً بالأمن القومي، ويعاقب القانون على تسريبها.
ـ سري للغاية جداً (top secret)، وهو أعلى مستوى تصنيف أمني، للمعلومات الحساسة في المجالات العسكرية والأمنية والاستخباراتية، والتي يمكن أن تسبب ضرراً استثنائياً للأمن القومي إذا تم الكشف عنها من دون إذن.
وضمن فئة سري للغاية جداً (top secret) يوجد مستوى تصنيف أكثر تقييداً ويطلق عليه رمز (SCI)، وهو فوق السري للغاية جداً، ويستخدم لحماية المعلومات الأكثر حساسية، وإن كان لا يعد مستوى تصنيف بحد ذاته.
في ترتيب أسرار الحكومة الأمريكية، تُعدّ السرية أدنى مستوى وأقلها إثارةً لاهتمام السلطات، بينما تُعتبر المعلومات الاستخبارية الاستراتيجية الأكثر أهميةً وحراسةً، وعادةً، تُعتبر العمليات العسكرية المستقبلية سريةً للغاية.
ووفق القوانين الأمريكية، فإن المعلومات «السرية للغاية جداً» هي التي يمكن أن تُسبب «ضرراً بالغ الخطورة للأمن القومي»، في حين أن فئة السرية للغاية هي للمعلومات التي يمكن أن تُسبب «ضرراً جسيماً»، أما «السري» فيتعلق بالمعلومات التي من شأنها أن تسبب أقل قدر من الضرر. وفي أكثر من اثنتي عشرة وكالة استخبارات أمريكية، هناك مئات المسؤولين الذين يمكنهم إعلان المعلومات سرية.
ـ ما هي العقوبات؟
هناك طريقتان للتفكير في التحقيقات الخاصة بتسريبات المعلومات السرية: الأولى تتعلق بما يسمى «التنظيف»، والثانية «البحث عن المسرّب لمعاقبته»، والاختيار بين هاتين الطريقتين يمكن أن يحدد العقوبات المترتبة على ذلك.
وفي طريقة «التنظيف»، تسلط الوكالات الفيدرالية جهودها بشكل أكبر على العثور على جميع المعلومات وحذفها من أجهزة الكمبيوتر أو إزالة الصفحات الورقية بحيث لا يمكن مشاركتها بعد ذلك.
وغالباً ما تؤدي مثل هذه الحالات إلى معاقبة المسؤولين الحكوميين أو تخفيض رتبهم أو فصلهم من العمل، كما قد يفقدون تصاريحهم الأمنية.
أما الطريقة الثانية والخاصة بـ«البحث عن المسرّب لمعاقبته»، ويكون ذلك في الحالات الأكثر خطورة، حيث يفتح مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل تحقيقاً جنائياً، وهنا، تصبح الأمور معقدة لأن القانون المُستخدم لمعاقبة المُسربين في الولايات المتحدة، هو قانون التجسس لعام 1917، والذي كُتب قبل وقت طويل من إنشاء نظام التصنيف الحالي بعد الحرب العالمية الثانية.
ـ هل تسريبات سيغنال سرية للغاية؟
في تسريبات سيغنال، كشف وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث في رسالة نصية على مجموعة الدردشة الجماعية عبر تطبيق المراسلة التجاري، عن توقيت الهجوم على الحوثيين قبل تنفيذه، وهو ما كان يعني تسريباً فورياً، باعتبار أن مستشار الأمن القومي مايك والتز، كان قد أضاف بالخطأ صحفياً إلى المجموعة.
واستند دفاع الإدارة الأمريكية إلى أن وزارة الدفاع هي المسؤولة عن تحديد أي تفاصيل من عملها تُعتبر سرية، وبما أن الوزير هيجسيث، أعلن أن المعلومات غير سرية، فهي بالتالي ليست كذلك.
ولكن بالعودة إلى إدارة الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان على الأقل، فإن الحكومة الأمريكية اعتبرت المعلومات المتعلقة بـ«الخطط أو الأسلحة أو العمليات العسكرية» معلومات سرية تتعلق بالأمن القومي.
وقال ميك مولروي، المسؤول السابق في البنتاغون خلال إدارة ترامب الأولى، إن مواعيد الهجوم المنشورة في المحادثة مُستقاة على الأرجح من وثيقة تُحدد تسلسل المعارك في الوقت الفعلي للعملية ضد الحوثيين. وأضاف: «إنها سرية للغاية ومحمية. والكشف عنها سيُعرّض العملية للخطر ويُعرّض الأرواح للخطر. وهذه المعلومات، بعد العمليات النووية تعد الأكثر حماية».
دفاع إدارة ترامب
تحاول إدارة ترامب بشدة مقاومة هذا التقييم، مشيرة إلى دور وزارة الدفاع في تحديد المواد التي سيتم تصنيفها ضمن المواد السرية. وقال الرئيس ترامب: «لم تكن هناك معلومات سرية على حد علمي».
ودافعت تولسي جابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، عن البيت الأبيض عندما سُئلت عن الرسائل، وفي جلسة استماع للجنة الاستخبارات في مجلس النواب، توسعت في الدفاع قائلة إنه «لم تتم مشاركة أي مصادر أو أساليب أو مواقع أو خطط حرب». لكن في الجلسة نفسها، سخر النائب خواكين كاسترو، الديمقراطي من تكساس، من مزاعم عدم سرية المعلومات. وقال: «تعلمون جميعاً أن هذه كذبة. إنها كذبة على البلاد».
ويصر مسؤولون في إدارة ترامب على أنه لا حرج في استخدام تطبيق مراسلة للمستهلكين لمناقشة الخطط العسكرية الأمريكية.
هل يمكن فتح تحقيق جنائي؟
بينما قدم الرئيس ترامب ومسؤولون آخرون تفسيرات متنوعة وأحياناً متضاربة لكيفية مشاركة معلومات عسكرية شديدة الحساسية في دردشة جماعية، فإنه من غير المرجح إجراء تحقيق جنائي، وفق ما أشارت المدعية العامة بام بوندي.
ورغم ذلك، فقد استمع قاض فيدرالي إلى حجج من مجموعة المراقبة الأمريكية «أميركان أوفرسايت»، التي اتهمت فريق الأمن القومي التابع لترامب بانتهاك قوانين السجلات الفيدرالية، وأمر القاضي جيمس بواسبيرج الحكومة بالحفاظ على جميع السجلات في الدردشة التي جرت في الفترة من 11 إلى 15 مارس. وأوضح أنه أصدر أمره للتأكد من عدم فقدان أي رسائل من سيغنال، وليس لأنه قرر ما إذا كان مسؤولو الإدارة قد ارتكبوا أي خطأ.
وأكدت أمبر ريتشر، المحامية بوزارة العدل التي تمثل إدارة ترامب، للقاضي أن الحكومة تتخذ خطوات للحفاظ على الرسائل من دردشة سيغنال المعنية.
ويُلزم قانونان اتحاديان، في أمريكا، وهما قانون السجلات الرئاسية وقانون السجلات الفيدرالية، المسؤولين بحفظ الاتصالات المتعلقة بأعمال الحكومة. ويمكن للوكالات الامتثال لهذا القانون بتوجيه مستخدمي تطبيقات المراسلة إلى حفظ المحادثات عبر لقطات الشاشة أو وسائل أخرى.
ويجب حفظ السجلات الرئاسية، التي تشمل اتصالات نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي شارك في محادثة سيغنال، بشكل دائم. وتُعتبر العديد من السجلات الفيدرالية الأخرى مؤقتة، ولكن يجب حفظها حتى توافق إدارة الأرشيف والسجلات الوطنية على إتلافها.
واقعة في نفس الأسبوع
وللمفارقة، فإن واقعة أخرى جرت في نفس التوقيت تقريباً، ففي حين اعتبرت إدارة ترامب أن محادثات سيغنال لم تتضمن معلومات سرية، رغم ما كشفته من خطط هجوم عسكري، فقد استندت إلى ما يُسمى بـ«امتياز أسرار الدولة» لتحدي قاضٍ فيدرالي، وبالمناسبة هو ذاته القاضي بواسبيرج الذي طالب بحفظ رسائل سيغنال، عندما كان يحاول تحديد مدى قانونية ترحيل المهاجرين من دون جلسات استماع أو إجراءات قانونية، واستفسر عن موعد إقلاع رحلة طيران تقل المهاجرين إلى السلفادور وهل سبقت أمره بالتأجيل أم لا.
يقول الخبير القانوني الأمريكي ستيفن أفتر جود، الذي أمضى عقوداً في قضايا السرية الحكومية: «المُحير هو الادعاء بأن العمليات العسكرية ليست بهذه الحساسية في نهاية المطاف، بينما لا يُمكن الكشف عن حقائق عملية الترحيل التي نُشِرت على نطاق واسع والتي حدثت بالفعل». وأضاف: «من الصعب أخذ السرية على محمل الجد كأداة للأمن القومي، في حين يتم التلاعب بها بوضوح لتحقيق غايات سياسية».
في كلتا الحالتين، سواء ترحيل المهاجرين، أو تسريبات سيغنال، تكمن المعلومة الأساسية في التوقيت الزمني، ففي قضية الهجرة، أمر القاضي بواسبيرج الإدارة بإبلاغه بموعد إقلاع الطائرة التي تقلّ الفنزويليين، ومغادرتها المجال الجوي الأمريكي، وهبوطها، وفي حالة سيغنال أعطى وزير الدفاع بيت هيجسيث زملاءه في الدردشة الجماعية والصحفي الوقت الدقيق الذي ستضرب فيه الطائرات الحربية والطائرات بدون طيار الأمريكية الحوثيين قبل ساعتين تقريباً من الموعد.
ومن المفترض أن هذه المعلومات كانت ستصنف ذات فائدة للحوثيين المستهدفين لو علموا بها، لكن البيت الأبيض يؤكد أن هذه المعلومات لم تكن في الواقع بهذه الحساسية.