الشارقة: جاكاتي الشيخ
يشتهر كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» لشهاب الدين الأبْشِيهِي في المكتبة العربية كواحد من أمتع الكتب الأدبية والدينية والتاريخية، ومن أكثرها تداولاً بين المهتمين بالثقافة العربية والإسلامية على أصولها، فهو كتاب يجول بقارئه في كل ما يتعلق بهذه الثقافة وما يرتبط بعلومها وقيمها.
يستهل الأبشيهي الكتاب بخطبة المقدمة التي يذكر فيها أسباب تأليفه له، وكيف أنه اطلّع على العديد من الكتب من أجل اختيار عصارة ما فيها وتقديمها للقارئ في مصنّف واحد. ويقول: «فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم جمعوا أشياء كثيرة من الآداب، والمواعظ، والحكم، وبسطوا مجلدات في التواريخ، والنوادر، والأخبار، والحكايات، واللطائف، ورقائق الأشعار، وألّفوا في ذلك كتباً كثيرة، تفرّد كل منها بفرائد لم تكن في غيره من الكتب محصورة، فاستخرت الله تعالى وجمعت من مجموعها هذا المجموع اللطيف، وجعلته مشتملاً على كل فن ظريف».
نجح المؤلف في تضمين الكتاب أجود ما يمكن حصره، فاشتمل على مادة ضخمة حول الثقافتين العربية والإسلامية، من الأخبار، والكلام الحسن، والنوادر، وآداب العربية وعلومها من شعر، ونثر، ونحو، وصرف، وبلاغة، وكل ما يتصل بذلك من موضوعات، وما اتّسعت له صفحاته من أخلاقيات، مستدلّاً على الكثير مما جاء فيه بآيات من القرآن الكريم، وأحاديث نبوية شريفة، وبعض حكايات من عرفوا بالحكمة والصلاح.
ورتّب المؤلف في أربعة وثمانين باباً، يبدؤها بباب في مباني الإسلام، ويتبعه بآخر في العقل والذكاء والحمق وذمّه، ثم بقية الأبواب، التي يتناول فيها الكثير من الموضوعات المتنوعة، مثل العلم والأدب وفضل العالم والمتعلم، والآداب والحكم، والأمثال السائرة، في القرآن وكلام العرب، ومن الشعر المنظوم مرتبة على حروف المعجم، والبيان والبلاغة والفصاحة، ذاكراً الفصحاء من الرجال والنساء، والخطب والخطباء، والشعر والشعراء وسرقاتهم، الذي اختار معظمه من أشعار القرنين السابع والثامن، وكبوات الجياد وهفوات الأمجاد، والتوكل على الله تعالى والرضا بما قسم. ويتطرق الكتاب إلى: القناعة وذم الحرص والطمع، وحسن المشورة والنصيحة والتجارب، والنظر في العواقب، والصمت، وصون اللسان، والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة، مروراً بمدح العزلة وذمّ الشهرة، واصطناع المعروف وإغاثة الملهوف، وقضاء الحوائج، والجود والسخاء والكرم، ومكارم الأخلاق، وذكر الأمجاد وأحاديث الأجواد.
كذلك، يتحدث الكتاب عن الضيافة وكل ما يتعلق بها، وأنواع الهدايا والتحف، والصبر على المكاره، ومدح التثبّت وذم الجزع، وما قيل في ذلك من شعر، وما عرف منه لدى الأنبياء عليهم السلام، عن أخبار العرب الجاهلية وأوابدهم، وغرائب من عوائدهم وعجائبهم، ودقائق الشعر، والموشحات، والزجل، والألغاز، وغيرها من الموضوعات التي يختتمها بباب خاص في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
إقبال
من أحسن ما وُصف به الكتاب، ما ذكره عنه الحاجي خليفة في كتابه «كشف الظنون»، حيث قال: «وهو يشتمل على كل فن ظريف، وفيه الاستدلال بآيات من القرآن، وأحاديث صحيحة، وحكايات حسنة عن الأخيار، ونقل فيه كثيراً مما أودعه الزمخشري في «ربيع الأبرار»، وابن عبد ربّه في «العقد»، وفيه لطائف عديدة من منتخبات الكتب المفيدة، وأودعه من الأمثال والنوادر الهزلية، والغرائب، والدقائق، والأشعار والرقائق».
ويرى البعض أن اعتماد الأبشيهي على «ربيع الأبرار» كان أكثر من غيره، فيما كان اعتماده على العقد الفريد محدوداً، مثل ما فعل مع كتب أخرى، ك «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون، و«سراج الملوك» للطرطوشي و«عجائب المخلوقات» للقزويني.
ولكثرة الإقبال على الكتاب، والرغبة في الاطّلاع على مادته الشائقة، وقد لا تكون سهلة على قُرّائه بسبب كثرة أبوابه وطولها، عمد بعض المؤلفين إلى تصنيفه في مختصرات له، من بينهم يبورك السملالي في مختصره «زبدة المستطرف»، ومحمد بن عبد الجليل البلكرامي في مختصره «الجزء الأشرف من المستطرف».
طبع الكتاب عدة مرات، واحدة في مطبعة بولاق سنتي 1272ه و1285ه، ومطبعة محمد شاهين سنة 1277ه، ومطبعة كاستلي 1279ه، ودار صادر سنة 2004م، بتحقيق إبراهيم صالح.
إضاءة
شهاب الدين محمد بن أحمد، أبو الفتح الأبْشِيهي المحلي، أديب وواعظ مصري، من أعلام القرن التاسع الهجري، عاش ما بين 850ه - 790ه (1388م و/ 1448م، لُقّب بالأبشيهي نسبة إلى قرية «أبْشَوية» في الفيّوم، أقام في المحلة، ورحل إلى القاهرة مرات عديدة، التقى بكبار علماء عصره، فحضر دروس جلال الدين البُلقيني، ودرس الفقه والنحو، وتفرغ للنظم والتصنيف في سنّ مبكرة، وولي خطابة بلدته، واشتهر بعد تصنيفه لكتابه «المستطرف».
كنز ضخم من منابع الثقافتين العربية والإسلامية