إعداد: محمد كمال

بعد نحو أربع ساعات من مخاطبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المستثمرين بالقول: «هذا وقت رائع للشراء»، حاثاً إياهم على شراء الأسهم، إثر تكبدهم خسائر كبيرة، قرر فجأة تعليق الرسوم الجمركية 90 يوماً وهو ما انعكس بدوره على الأسواق، حيث حققت ارتفاعاً قياسياً، وهو ما أثار تساؤلات ملحّة ورواج اتهامات حول عمليات تلاعب في الأسواق، ومدى استغلال معلومات بشأن قرارات مرتقبة في توجيه عمليات الشراء، لكن البيت الأبيض نفى ذلك موضحاً دوافع التصريح.

ـ التتبع الزمني وأسهم DJT

التتبع الزمني لما كتبه ترامب هو ما استند إليه زعماء الحزب الديمقراطي في المطالبة بإجراء تحقيق فيما إذا كان منخرطاً في تداول داخلي في الساعات التي سبقت إعلان تعليقه للتعريفات الجمركية مؤقتاً، وهو ما نفاه البيت الأبيض على الفور. وفي الساعة 9:37 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة يوم الأربعاء، كتب ترامب على منصته «تروث سوشيال»: «هذا وقتٌ رائعٌ للشراء»، وبعد الواحدة ظهراً بقليل، أعلن على المنصة نفسها أنه سيُوقف معظم تعريفاته الجمركية الجديدة، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسواق الأسهم المتدهورة.

وعلى الرغم من إفادة البيت الأبيض في وقت سابق بأن أصول ترامب مودعة في صندوق ائتماني يدير أبناؤه، فإنه لم يقطع أي وعود بالتخلي عن مصالحه المالية بعد انتخابه. ويعود جزء كبير من صافي ثروة ترامب إلى حصته في شركة «ترامب ميديا ​​آند تكنولوجي جروب»، الشركة الأم لـ«تروث سوشيال»، ومن الملاحظ أنه يتم تداول أسهم هذه الشركة تحت رمز DJT، الأحرف الأولى من اسم ترامب، وهو ذات التوقيع الذي استخدمه في منشور الدعوة للشراء. وارتفعت أسهم الشركة مع الأسواق الأوسع بعد إعلان تعليق التعريفات الجمركية، وأغلقت على ارتفاع بأكثر من 21%.

ـ رد البيت الأبيض

البيت الأبيض بدوره، رفض فكرة أن ترامب تلاعب بالأسواق بشكل غير لائق، وقال المتحدث كوش ديساي في بيان: «إن مسؤولية رئيس الولايات المتحدة هي طمأنة الأسواق والأمريكيين بشأن أمنهم الاقتصادي في مواجهة التهويل الإعلامي المتواصل».

وليست هذه المرة الأولى التي يشجع فيها ترامب على شراء الأسهم، ففي خضم تراجع السوق عام 2018، خلال ولايته الأولى، صرّح للصحفيين بأنها «فرصة رائعة للشراء».

ـ الديمقراطيون ينتهزون الفرصة

في رسالة، الخميس، إلى القائم بأعمال مدير مكتب أخلاقيات الحكومة الأمريكية طالب السيناتورين الديمقراطيين روبن غاليغو (أريزونا) وآدم شيف (كاليفورنيا)، بإجراء تحقيق فيدرالي فيما إذا كان أي من مسؤولي البيت الأبيض أو أفراد عائلة ترامب قد تم إبلاغهم بتعليق التعريفات الجمركية مسبقاً واستخدموا تلك المعلومات لإجراء الصفقات، بحسب صحيفة واشنطن بوست.

وكتب النائبان في الرسالة: «كان من المتوقع أن يؤدي قرار الرئيس ترامب بتخفيف معظم الرسوم الجمركية إلى ارتفاع حاد في الأسواق المالية بعد انهيارها وتعرضها لتقلبات حادة». وأضافا: «يتمتع الرئيس وعائلته ومستشاروه بمكانة فريدة تُمكّنهم من الاطلاع على المعلومات غير المعلنة والاستفادة منها لاتخاذ قراراتهم الاستثمارية».

كما قال النائب الديمقراطي ستيفن هورسفورد (نيفادا)، إن منشور ترامب الأربعاء أثار الشكوك في أن أعضاء الإدارة ربما يتاجرون بمعلومات حول توقف التعريفات الجمركية قبل الكشف عنها للجمهور. واستطرد: «أخشى أن تستغل الإدارة السياسة التجارية لتزويد الأفراد بمعلومات سرية قبل اتخاذ أي إجراءات. وإذا حدث ذلك، فهو تلاعب بالسوق»، دون أن يقدم أي دليل عملي على ما ردده.

ووصل الحد إلى درجة أن قالت إليزابيث وارن، المرشحة الرئاسية السابقة وعضو مجلس الشيوخ (ماساتشوستس): «قبل أن يعلن ترامب إلغاء بعض التعريفات الجمركية مرة أخرى، أرسل رسالة إلى أصدقائه المليارديرات»، دون أن تقدم دليلاً على ذلك، وما إذا كان تصريحه العلني يمثل رسالة لأصدقائه على وجه التحديد.

كما حث نواب ديمقراطيون الكونغرس من أجل الموافقة على قرار من شأنه أن يُنهي قدرة ترامب على فرض الرسوم الجمركية متى شاء، كما دعت ممثلة اليسار في مجلس النواب «أي عضو في الكونجرس اشترى أسهماً في آخر 48 ساعة بعد إعلان ترامب أن يكشف عن ذلك الآن»، مضيفة: «لقد حان الوقت لحظر التداول من الداخل».

ـ ماذا عن التحقيقات المحتملة؟

عادةً ما تُجري البورصات، بما فيها ناسداك وبورصة نيويورك، تحقيقاتها أولاً في حالات التلاعب المحتمل بالسوق، حيث يبحث محققوها عن أنماط غير اعتيادية لدى المتداولين، وفقاً لجيمس أنجل، أستاذ المالية في جامعة جورج تاون. وأوضح أنها تُبلغ هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، إذا وجدت أدلة على نشاط مريب، والتي تُحدد بدورها ما إذا كانت هناك أدلة كافية لبناء دعوى ضد شخص ما بتهمة الإفصاح أو التداول غير السليم.

ويرى مراقبون أنه في حالة دعوة ترامب للشراء، ليس واضحاً من أن تقيم هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية دعوى ضده، إذ لا أحد يعلم المستفيد على وجه التحديد إن وجد فعلاً. ومن المعروف أنه يُطلب من المسؤولين وكبار المساهمين في الشركات الإفصاح عن صفقاتهم، لكن الأفراد الذين قد يكونون استفادوا من منصب ترامب لا يُطلب منهم عموماً الكشف عن هذه المعلومات للجمهور.

ـ هل هناك تلاعب فعلاً؟

وبصفته صانع القرار الرئيسي بشأن سياسة التعريفات الجمركية، كان لدى ترامب حق الوصول إلى معلومات تعتبرها الجهات التنظيمية «جوهرية» لقيمة الأسهم عندما نشر منشوره «الوقت الأمثل للشراء». ومع ذلك، قال جيمس أنجل إن تعليقه كان عاماً للغاية لدرجة يصعب معها إثبات أنه يمثل انتهاكاً للإفصاح.

ويقول أنجل: «تحظر قوانين الأوراق المالية الأمريكية أي نوع من الاحتيال أو التلاعب، ولكن غالباً ما يكون من الصعب إثباته»، ما دفعه إلى التشكك في أن الجهات التنظيمية ستلاحق شخصاً يدّعي أن الوقت مناسب للشراء.

لكن آخرين يقولون إن ترامب وضع نفسه أمام التدقيق من خلال منصبه، ويوضح ريتشارد بينتر، كبير محامي الأخلاقيات السابق في البيت الأبيض في عهد جورج بوش الابن، إن ترامب يُخاطر بشدة بنشره على منصات التواصل الاجتماعي إشارات صريحة إلى الأسواق. وأضاف أنه يُعرّض نفسه لاتهامات بتورطه في التلاعب بالسوق، وربما تقديم معلومات سرية «أو أشكال أخرى من الاحتيال في الأوراق المالية».

ـ عواقب محتملة

ويرى محللون أن منشور ترامب حول الشراء قد يؤدي أيضاً إلى فتح تحقيقات فيدرالية أو دعاوى قضائية خاصة من أي مستثمرين يخسرون أموالهم بسبب توصيته. وقال ريتشارد بينتر «إنه أشبه باللعب بالنار»، مضيفاً أن مثل هذا التصريح يعتبر جزءاً من واجبات ترامب كرئيس للولايات المتحدة.

وارتفعت مؤشرات الأسهم الرئيسية بشكل حاد، الأربعاء، بعد أيام من الخسائر التي أعقبت إعلانات رفع الرسوم الجمركية الأسبوع الماضي. وأغلق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مرتفعاً بنسبة 9.5%، في أكبر ارتفاع له منذ عام 2008.

ـ قرار مفاجئ

وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، فوجئ العديد من أعضاء إدارة ترامب بإلغاء الرسوم الجمركية. ولم يعلم جيميسون جرير، الممثل التجاري الأمريكي، بالقرار إلا أثناء دفاعه عن الخطة الأصلية أمام لجنة في مجلس النواب.

كما أفادت عدة مصادر بأن الرئيس غيّر رأيه بسبب انخفاض حاد في أسعار السندات الأمريكية، التي تُعتبر تقليدياً ملاذاً آمناً للمستثمرين، حتى في ظل الخسائر الأوسع نطاقاً في سوق الأسهم المتقلبة، حيث أدرك أنه سيُلام على أزمة مالية مماثلة لأزمة عام 2008 أو جائحة كوفيد عام 2020.