د.عبدالرحيم بن أحمد الفرحان*
في مشهد يليق بملاحم التاريخ، حطّت طائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أبوظبي يوم 15 مايو/أيار الجاري، في زيارة امتزجت فيها السياسة بالاستعراض، والاقتصاد بالرمزية، والتكنولوجيا بالجغرافيا.
واستُقبل ترامب في قصر الوطن بحفاوة إماراتية، حيث اصطفّت الخيول والجمال، وارتفعت الأعلام، وتعالت الأناشيد. وفي ساحة القصر، قدّم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، للضيف «وسام زايد»، أعلى وسامٍ مدني في الدولة، تقديراً للعلاقات الثنائية.
وخلف هذا البريق، كان هناك هدف أعمق: إعادة رسم خريطة القوة العالمية عبر بوابة الذكاء الاصطناعي، أو نفط القرن الحادي والعشرين.
وأعلن ترامب عن صفقة ضخمة بقيمة 1.4 تريليون دولار، تستثمر بموجبها الإمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة على مدى العقد القادم. كما تمّ الاتفاق على بناء أكبر مجمع لمراكز البيانات خارج أمريكا في أبوظبي، بطاقة تصل إلى 5 غيغاواط، بالتعاون مع شركة G42 الإماراتية. هذه المشاريع لا تُعد مجرد استثمارات اقتصادية؛ بل هي جزء من استراتيجية أوسع لتحويل الإمارات إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، وتأكيد الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
خلال الزيارة، تمّ توقيع صفقات تجارية ضمة، شملت تأكيد شراء 28 طائرة «بوينغ» لصالح طيران الاتحاد، واستثمارات في مجالات الطاقة، والمعادن النادرة، والتكنولوجيا. كما تمّ الإعلان عن مشاريع مشتركة في مجال الطاقة النووية المدنية، وتطوير سلسلة التوريد للمعادن الحيوية المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية.
رمزية تتجاوز السياسة
في خطوة رمزية، زار ترامب جامع الشيخ زايد الكبير، في أول زيارة له لمسجدٍ خلال رئاسته، وأشاد بجمال العمارة والثقافة الإماراتيتين. كما زار «بيت العائلة الإبراهيمية»، الذي يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً يهودياً، في إشارة إلى التزام الإمارات بالتسامح الديني، وتعزيزاً لاتفاقيات «أبراهام» التي رعاها ترامب في ولايته الأولى.
في قلب المعادلة العالمية
زيارة ترامب للإمارات لم تكن مجرد محطة في جولة دبلوماسية؛ بل كانت إعلاناً عن تحول استراتيجي في موازين القوى العالمية، فالإمارات، التي كانت تُعرف بـ«لؤلؤة الخليج»، تسعى اليوم لتكون «وادي السيليكون» الجديد، مستفيدة من شراكتها مع الولايات المتحدة، ومُعلنة عن طموح لا يعرف الحدود. في عالم يتسابق فيه الجميع على ريادة الذكاء الاصطناعي، تبدو الإمارات وكأنها قد وجدت معادلتها الخاصة: «السلام من خلال الازدهار، والتقدم من خلال الشراكة».
صنع المستقبل لا انتظاره
في قلب هذا التحول الجذري الذي تشهده دولة الإمارات، يبرز اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بصفته عقلاً استراتيجياً وقلباً نابضاً برؤية تتجاوز الحاضر إلى استشراف الغد. سموّه لم يكن راعياً لهذه الشراكات العالمية فحسب؛ بل مهندسها الأول، واضعاً الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والاستدامة في صلب استراتيجية الدولة لعقود قادمة.
تحت قيادة سموه، انتقلت الإمارات من كونها لاعباً إقليمياً إلى قوة عالمية ناعمة ذات تأثير ملموس في التكنولوجيا، والدبلوماسية، والاقتصاد. وقد تجسدت هذه الرؤية في تأسيس «مجلس الذكاء الاصطناعي» كأول جهة حكومية في العالم من نوعها، وفي احتضان العاصمة أبوظبي لمبادرات عملاقة مثل «مركز الذكاء الاصطناعي G42» و«جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي»، الأولى عالمياً المتخصصة في هذا المجال.
صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لا يرى في التقنية مجرد أدوات؛ بل سلاحاً للنهضة، وجسراً للتسامح، ومنصةً لصناعة السلام، فسموه قائد يُعيد تعريف القوة، ليس عبر السلاح؛ بل عبر العقل والاستثمار في الإنسان. ولعل هذه الزيارة التاريخية لم تكن إلا تجلياً جديداً لرؤية سموه، حيث تلتقي السيادة بالحداثة، والعراقة بالمستقبل.
* مستشار سياسات الاقتصاد الاستثماري