إعداد: محمد كمال

بعد أكثر من 20 عاماً على وفاته، يعود اسم الجاسوس الروسي الشهير فاسيلي ميتروخين إلى الواجهة بعد أن ذاع صيته، باعتباره صاحب أكبر خرق أمني في تاريخ الاستخبارات السوفييتية لصالح بريطانيا، وذلك عن طريق كتاب جديد تحت عنوان «الجاسوس في الأرشيف»، والذي يكشف المزيد من التفاصيل المجهولة حول العملية غير المسبوقة في تاريخ عالم المخابرات.

كان ميتروخين أمين أرشيف جهاز المخابرات السوفييتي (كي جي بي)، عندما تم تكليفه بنقل أرشيف «الاستخبارات الأجنبية» بأكمله من موقعه التقليدي في قلب موسكو إلى مبنى حديث آنذاك في حي ياسينيفو الهادئ في الضواحي الجنوبية الغربية للعاصمة الروسية، لكنه وأثناء عملية النقل أثاره بعض ما ظهر في الكم الهائل من الوثائق المخابراتية، وبعضها تضمن عمليات لا تصدق، مثل محاولة كسر ساقي راقص منشق.

الكراسة المدرسية الكنز

وحينها قام ميتروخين بكتابة ملاحظات بخط يده في كراسة مدرسية حول أهم الوثائق التي اكتشفها، ثم عاد إليها بعد إتمام عملية النقل، وظل ينسخها بالآلة الكاتبة على مدار عشر سنوات كاملة، وتمكن من اصطحابها رفقة عائلته إلى بريطانيا سرياً عقب انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1992، قبل أن تنتهي في جامعة كمبريدج، والتي كانت بطلة أكبر عملية كشف مخابراتي قام به ميتروخين عندما أزاح الستار عن شبكة الجواسيس السوفييت الخمسة الذين كانوا يدرسون داخل الجامعة.

خداع حتى الثناء

ورغم أن الوثائق أحدثت ضجة كبيرة وقت عرضها، إضافة إلى كتاب ألفه ميتروخين حولها، بمشاركة الخبير الأمني غوردون كوريرا، فإن تفاصيل أخرى مثيرة، لم يتم الكشف عنها سابقاً، حتى ضمنها كريستوفر أندرو المؤرخ الرسمي لجهاز الأمن البريطاني (MI5)، كتابه الجديد «الجاسوس في الأرشيف»، ومن بينها أنه في عيد ميلاد ميتروخين الستين عام 1982، مُنح شهادة تذكارية تقديراً للكفاءة الاستثنائية التي أدار بها عملية نقل الأرشيف المخابراتي، قبل انكشاف الخرق الذي أحدثه.

ومن بين ملاحظات ميتروخين تفاصيل كثيرة حول اختراق الاستخبارات لحركة التضامن، التي لعبت دوراً محورياً في إنهاء الحكم الشيوعي في بولندا.

ويقول المؤرخ المخابراتي كريستوفر أندرو إنه التقى ميتروخين لأول مرة في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 1995، عندما استُدعي فجأةً إلى مقر جهاز الاستخبارات السرية «MI6» في لندن لتلقي إحاطة خاصة حول إحدى أغرب عمليات الاستخبارات في العصر الحديث، حيث اصطحب ميتروخين إلى لندن 33 صندوقاً من الوثائق عالية السرية، والتي أصبح 19 منها باللغة الروسية متاحاً للزوار في مركز الأرشيف بجامعة كمبريدج.

كسر ساقي راقص منشق

وعن انطباعه حول اللقاء يقول أندرو: إن ميتروخين لم يكن مهتماً بالحديث عن مغامراته وعملياته الاستخباراتية، بل كان هدفه فضح بعض عمليات الكي جي بي، التي وصفها آنذاك بالقذرة، والتي كان من بينها مقترح غريب يعود إلى عام 1961، عندما تم اقتراح كسر ساقي الراقص المنشق رودولف نورييف.

ويورد الكتاب أن ميتروخين عبر عن غضبه من أن الدعاية قللت من شأن ما قام به، مقارنة باعتبار الجاسوسة البريطانية الموالية للسوفييت ميليتا نوروود، بطلة شعبية من قبل وسائل الإعلام الروسية، بعد أن كشف عنها ميتروخين لأول مرة.

وعن الطريقة السرية لوصول ملفات ميتروخين إلى جامعة كامبريدج البريطانية، يكشف الكتاب أنه في مارس / آذار عام 1992، وبعد محاولته الفاشلة للاتصال بوكالة المخابرات المركزية، أخذ ميتروخين عينات من أرشيفه إلى السفارة البريطانية في فيلنيوس العاصمة الحالية لليتوانيا، وفي وقت لاحق من ذلك العام، وفي الذكرى الخامسة والسبعين للثورة البلشفية، جرت عملية سرية لنقله هو وعائلته وأرشيفه إلى بريطانيا، حيث وصل إلى مطار غاتويك ‏في 7 نوفمبر / تشرين الثاني 1992.

شبكة «كمبريدج فايف» وفضيحة العميل المزدوج

ومن بين ما كشفه ميتروخين، ما قام به «فيلبي» أشهر جاسوس بريطاني في الاتحاد السوفييتي، والذي اتضح أنه عميلاً مزدوجاً، وفي عام 1963، تم الكشف عن أنه عضو في مجموعة «كامبريدج الخمسة»، وهي شبكة تجسس من خمسة أشخاص ثبت تجنيدهم في ثلاثينيات القرن الماضي خلال فترة دراستهم بجامعة كمبريدج وعرفوا باسم حلقة تجسس «كمبريدج فايف».

وكشفت الشبكة أسراراً بريطانية للسوفييت خلال الحرب العالمية الثانية وفي المراحل الأولى من الحرب الباردة، ومن بين الخمسة، يُعتقد أن فيلبي كان الأكثر نجاحاً في تقديم معلومات سرية للسوفييت بلغت تقريباً أكثر من 20 ألف وثيقة.

وتوضح الوثائق أيضاً تكتيكات السوفييت، وتقدم تفاصيل حول مخابئ الأسلحة والعملاء السريين للمخابرات السوفيتية، ومن بينهم الجاسوس الأمريكي روبرت لبكا، والبريطاني ميلتا نورود، الذين اكتشفا بفضل المعلومات التي قدمها ميتروخين.

وتكشف وثائق ميتروخين أنه بعد تجنيد هؤلاء الطلاب الخمسة خلال فترة دراستهم بالجامعة، تمكنوا من شغل مناصب داخل وزارة الخارجية البريطانية، وجهاز الاستخبارات البريطاني «إم آي 5» وجهاز الاستخبارات السرية «إس آي إس».

وقبل فترة وجيزة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، رُقي فيلبي ليشغل منصب رئيس وحدة مكافحة السوفييت داخل جهاز الاستخبارات السرية «إس آي إس». أي أنه كان مسؤولاً عن إدارة عمليات ضد الاتحاد السوفييتي في وقت كان فيه عميلاً للمخابرات السوفييتية نفسها.

وبعد وفاة ميتروخين عام 2004، تعاونت أسرته مع مركز تشرتشل للأرشيف في كمبريدج لتحقيق رغبته في جعل وثائقه متاحة للجمهور. لكن ملاحظاته بخط يده في كراسة مدرسية لا تزال سرية حتى الآن، كما حُجبت بعض المعلومات الأخرى أيضاً عن تفصيل تهريبه.

خائن أم معارض؟

ويتخذ مؤلف سيرة ميتروخين الذاتية كوريرا، طريقاً جدلياً بالدفاع عن ميتروخين الذي خان جهاز المخابرات السوفييتي، قائلاً: إن الفظائع التي اكتشفها في أرشيف الكي جي بي «حوّلته أولاً إلى معارض ثم إلى جاسوس، وأنه صمم على كشف حقيقة القوى الظلامية التي زعزعت استقرار روسيا.

وفي عام 1999 أصبح ميتروخين نجماً إخبارياً في بريطانيا بعد أن شارك مع الخبير الأمني كوريرا كتاب «أرشيف ميتروخين»، وهو دراسة مطولة للمواد التي هربها إلى بريطانيا. وقد أحدث الكتاب ضجة عالمية، فيما وصف مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) الأرشيف بأنه أكمل وأوسع معلومات استخباراتية تم الحصول عليها من أي مصدر على الإطلاق.