الشارقة: رضا السميحيين
في مشهد ثقافي تزداد فيه أهمية التفاعل بين الحضارات، يتجلى الخط العربي بكونه جسراً روحانياً وفنياً يمتد على مدى شعاع الأرض من مراكش إلى بكين، يحمل معه ما يفوق جماليات الحرف ليبلغ تخوم الفكر والفلسفة وسمو الروح، في حضور عابر للحدود، يتجلى فيه الشغف العميق الذي أبرزه الخطاطون المسلمون من غير العرب بالخط العربي، شغف تجاوز عتبة الكتابة والتزيين ليغدو طقساً من طقوس الانصهار في ثقافة المعنى والإيمان الجمالي.
من هنا لا غرابة أن نرى فناني الصين بما لديهم من إرث خطي عريق، يتفاعلون مع الخط العربي تفاعلاً خلاقاً يفضي إلى توليفات فنية مدهشة.
في الصين حيث تمتد تقاليد الخط المحلي لسنوات طويلة، وجد الحرف العربي تربة خصبة للتأمل والتجريب، وقد شكل دخول الإسلام بداية لتشكيل ذاكرة فنية خاصة، صنعت نماذج ساحرة في الخط العربي، تتسم بالهدوء والرزانة والميول التأملية، التي تنسجم مع البيئة الذهنية للفن الصيني الكلاسيكي، وعلى الرغم من اختلاف البنية الحروفية، إلا أنه ثمة التقاء عميق بين الحرف العربي والخط الصيني في جوهره الروحي الحكيم.
ويعد الخطاط نورالدين مي قوانج جيانج ، واحداً من رواد الخط العربي الصيني، الذي تلقى تعاليم الخط العربي في مصر، وحصل على الإجازة في الخط العربي والفنون الجميلة، حيث درس هذا الفن على أصوله حتى برع فيه، وأبان عن تميز لافت استطاع من خلاله وسم أعماله بطابع خاص، يمزج بين طريقتي الكتابة العربية والكتابة الصينية.
لمسة شرقية

في هذه اللوحة الباذخة، التي انجزها الخطاط نور الدين من الصين، نقرأ تجسيداً للحديث النبوي الشريف: «إذا سمعتم الطاعونَ بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها»، وقد خطّت بخط «المحقق الصيني»، وهو نمط نادر مشتق من الخط المحقق الكلاسيكي، غير أنه يكتسب طابعاً شرق آسيوياً من خلال الإيقاع الرصين للحروف وتراصها المتقن، والامتداد الناعم للألف واللام، بما يعكس تأثره العميق بالخط الصيني التقليدي دون أن يتخلى عن أصوله العربية.
يقف المتلقي أمام هذه اللوحة كأنه يقف أمام صرح معماري حروفي متقن، توازنت فيه الكتل الحروفية في البنيان التكويني، حيث تتقاطع الحروف وتتداخل في نسق رأسي محوري مائل، يعطي إحساساً بالقوة والانسياب في آن معاً، وهذه طبيعة «الخط المحقق» الذي يقتضي إحكاماً صارما في التجويد والتشكيل واتساقاً في الميزان البصري، وقد نجح نور الدين في أن يبث فيه لمسة شرقية هادئة جعلت الحروف تبدو وكأنها تنبض بالتأمل.
الإطار المحيط بالنص يكشف عن الحس الإسلامي العميق في الفن الصيني، جاءت فيه الزخارف الهندسية متناغمة، تتدرج ألوانها من الحواف إلى القلب، في حركة رمزية تعيد إلى الأذهان تصاميم المصاحف القديمة، في نمط فني مستوحى من الزخرفة الإسلامية الكلاسيكية، يحيط بالنص كمن يضع جملة مقدسة في محرابها، وتميزت اللوحة بخاصية مميزة للخط الصيني وهي توقيع الفنان وأختامه بالأحرف الصينية الحمراء على الهامش، لتضفي على العمل جمالية مزدوجة: عربية ـ صينية، روحية ـ ثقافية.
حكمة
يكتسب اختيار الخطاط نورالدين لهذا الحديث النبوي تحديداً بعداً ثقافياً عميقاً، لا سيما حين يوضع في سياق الإرث الطبي والفلسفي الصيني، الذي طالما أولى أهمية كبرى لفلسفة الوقاية والتوازن الطبيعي، فالثقافة الصينية التقليدية، التي تأسست على مبادئ الطب التكاملي، تؤمن بأن اتزان الجسد والبيئة يحول دون تفشي المرض، وهذه الرؤية تتقاطع بوضوح مع التوجيه النبوي في الحديث الشريف موضوع اللوحة، ليقدم طرحاً وتصوراً وقائياً يتناغم مع مفهوم «الحجر الصحي» الحديث، وبهذا يربط الخطاط جسراً بين تراثين روحيين وعقليين، فيجمع بين الحكمة الإسلامية ونظرتها للعدوى، وبين الفلسفة الطبية الصينية التي ترى في الانعزال المؤقت وسيلة حماية للمجتمع.
إضاءة
ولد نور الدين مي قوانج جيانج عام 1963، حصل عام 1997 على إجازة في الخط العربي من مصر، وأصبح أول صيني يكرم بجائزة رفيعة، أسس في جامعة العلوم الإسلامية بمدينة تشنغتشو في الصين فرعاً متخصصاً في تعليم الخط العربي ويعتبر الأول في الصين، في عام 2005 اقتنى المتحف البريطاني لوحة بأسماء الله الحسنی وعرضها في معرض الفن الإسلامي.
فاز بجائزة الاقتصاد الإسلامي العالمي، وقدمت له شهادة تقدير عن فئة الفن الإسلامي بدبي، اعتبرت جامعة «جورج تاون» الأمريكية نور الدين ضمن أهم 500 شخصية إسلامية عالمية لها تأثيرها الفاعل، حصل على الإجازة في خطي الثلث والنسخ على يد الأساتذة: حسن جلبي، وداود بكتاش، وفرهاد قورلو وأحمد قوجاق في تركيا.