في زيارته الثالثة إلى لبنان، يوم أمس، رد المبعوث الأمريكي توم برّاك على سؤال حول مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، وعدم تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه برعاية أمريكية - فرنسية في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وتنفيذ القرار 1701 الذي يدعو لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، قائلاً «إن الولايات المتحدة لا تستطيع إجبار إسرائيل على فعل أي شيء.. لا يمكن لأمريكا إلا التأثير».
وأضاف: «نحاول معالجة أسباب فشل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل». هذا الكلام يعني أن الولايات المتحدة تتخلى عن دورها الضامن لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والقرار الدولي، وهو يعني أيضاً أن ضوءاً أخضر لإسرائيل للمضي قدماً في اعتداءاتها اليومية على القرى والبلدات الجنوبية، والغارات الجوية على مناطق لبنانية مختلفة، وكذلك عدم الانسحاب من النقاط الحدودية السبع التي تحتلها في جنوب لبنان.
وإذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع إجبار إسرائيل على الالتزام بالاتفاقات، فمن يستطيع؟!
وإذا كان برّاك جاء إلى لبنان على عجل ليتسلم من الرئيس جوزيف عون رد لبنان على الورقة الأمريكية التي تطالب بشكل أساسي بنزع سلاح حزب الله، ثم إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية، إلا أنه أشار إلى «رغبة واشنطن في السعي لمساعدة اللبنانيين على إحلال السلام، ولكن الحل بأيدي الحكومة اللبنانية»، وهو ما يتناقض مع قوله بأن الولايات المتحدة لا تستطيع إجبار إسرائيل على فعل أي شيء، ذلك أن إحلال السلام في لبنان مرتبط ارتباطاً مباشراً بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، بما يسهّل على الحكومة أن تكون وحدها صاحبة السلطة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة، والإفراج عن أموال مخصصة لإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، إضافة إلى ضبط الحدود ومنع التهريب، وزيادة الجباية الجمركية، وتشديد الإجراءات على المعابر والمرافق العامة.
في زيارته يوم أمس، تسلم المبعوث الأمريكي الرد اللبناني على المذكرة الأمريكية التي كان تسلمها الأسبوع الماضي، حيث التقى رئيس الحكومة نواف سلام، ثم الرئيس جوزيف عون، على أن يلتقي اليوم الثلاثاء رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يفاوض باسم حزب الله حول تسليم سلاحه الذي تطالب واشنطن ألا تتجاوز المهمة نهاية السنة الحالية.
ورغم أن حزب الله يضع شروطاً لتسليم سلاحه، في إطار وضع استراتيجية دفاعية، فإن تفويضه لبري يعكس استعداداً ضمنياً بالموافقة على المبدأ، في حال انسحبت إسرائيل من الأراضي اللبنانية، وأوقفت اعتداءاتها وانتهاكاتها للقرار الدولي 1701.
الرد اللبناني على الورقة الأمريكية كان إيجابياً، كما تقول مصادر رسمية لبنانية، وهي نتاج جهد لجنة ثلاثية تمثل رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، إذ يتعهد لبنان بتنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة على مراحل، وعلى أن تنسحب إسرائيل من المناطق اللبنانية المحتلة، وتطبق القرار 1701، وتفرج عن الأسرى والمعتقلين، وعودة أهالي الجنوب إلى قراهم وبلداتهم ومباشرة إعادة الإعمار هناك.
زيارة المبعوث الأمريكي إلى بيروت هذه المرة جاءت مختلفة، ليس من حيث توقيتها المفاجئ فحسب، بل من حيث طبيعة الرسائل التي تحملها في ظروف إقليمية صعبة ومعقدة، وعلى وقع ما جرى في سوريا مؤخراً، نظراً للترابط الجغرافي والديموغرافي بين البلدين، والتأثير المتبادل بما يجري في البلدين، وذلك يعكس رغبة أمريكية في السعي لإغلاق ملفات باتت تثقل على السياسة الأمريكية في المنطقة، لكن ذلك مرتبط بقدرة واشنطن على الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف.