شهد المسرح الإماراتي تطوراً ملحوظاً منذ بداياته في سبعينات القرن الماضي، إذ جاء كرافد ثقافي مهم يعكس خصوصية البيئة المحلية بجوانبها الاجتماعية والتراثية والسياسية، ويشكل اليوم منصة لتوثيق الذاكرة الشعبية وتحليل تحولات المجتمع، من خلال أعمال تجمع بين الأصالة الفنية والوعي بالواقع المعاصر.
تأتي مسرحية «عرج السواحل»، لتضاف إلى سلسلة من الأعمال المسرحية الإماراتية التي تنهل من التراث لتقديم قراءة فنية لواقع الناس وتاريخهم ونزاعاتهم، بلغة مسرحية مؤثرة تسعى لفتح أبواب التأمل لدى الجمهور، استلهمت من حكاية تراثية قديمة، وحبكت بأسلوب حديث يستند إلى بناء الشخصيات وتقديم الصراع بطريقة تلامس القضايا التاريخية والاجتماعية، خصوصاً ما يتعلق بفترة الاحتلال البريطاني لبعض مناطق الخليج سابقاً.
قدمت فرقة مسرح أم القيوين الوطني «عرج السواحل» ضمن فعاليات الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية، العمل من تأليف الكاتب المسرحي سالم الحتاوي، وإخراج عيسى كايد، ويعد من تلك النصوص التي تستثمر التراث المحلي في قالب درامي يحمل بعداً إنسانياً ووطنياً عميقاً.
*ثيمة رمزية
تدور أحداث المسرحية حول شخصية «عتيج»، الذي يعيش في أحد «الفرجان» أي الأحياء الشعبية القديمة، ويعرف بين أهله وذويه بلقب «ابن الشهيد»، في إشارة إلى جده الذي حارب الاستعمار الإنجليزي ونال الشهادة، عتيج بطل المسرحية يعيش متشبثاً بقصص البطولة والمجد التي يرويها جده، ويعيش على هامش الواقع في عالم من الخيال الممزوج بالحكايات البطولية القديمة، في حين تحاول زوجته بشتى الطرق جذبه نحو الحياة الواقعية اليومية.
تتكشف خلال الأحداث صراعات اجتماعية قديمة، يتصدرها الصراع بين جد عتيج، وجد شخصية أخرى تدعى «يعقوب»، عندما قام جد عتيج بطرد أسرة يعقوب من الحي وأذاقهم الذل، ليأتي يعقوب محاولاً الانتقام لتلك الإهانة الشديدة التي تعرض لها، هذا الصراع هو جوهر الثيمة المستخدمة في المسرحية التي ترمز إلى أحد أكبر الصراعات الاجتماعية التي تغذيها الذاكرة الانتقائية والصدامات الطبقية، وأيضاً كدلالة على دور القوة الاستعمارية في تفتيت النسيج الاجتماعي.
يحمل النص في طياته قراءات متعددة، أهمها العلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر، إذ يتحول التاريخ البطولي إلى عبء نفسي على الأجيال الجديدة، كما يصور كيف يمكن أن تتحول الذاكرة من فضاء ملهم إلى سجن يعيق التطور.
كما يسجل العمل حضوراً سياسياً واضحاً من خلال تمثيل الاحتلال البريطاني كشخصية خفية لكنه قائم في خيوط السرد، ويتجلى في آثار استراتيجية «فرق تسد»، وهي من أبرز أدوات السيطرة التي وظفتها القوى الاستعمارية لبث الفتن الداخلية.
*رؤية
تميزت المسرحية بتقديم شخصية الزوجة التي لعبت دوراً محورياً في التوازن الدرامي، إذ مثلت دعوة دائمة للواقعية، والابتعاد عن الهروب إلى الماضي، ويعتبر وجود هذه الشخصية الرئيسية في المسرحية لتمثل صوت المجتمع الذي يرى الحقيقة ويحاول التعايش معها، وهنا تتضح مقاربة المخرج عيسى كايد لدور المرأة في البناء الاجتماعي، بوصفها عنصراً للعقل والاستقرار.
برع المخرج عيسى كايد في تقديم العمل برؤية إخراجية تجمع البساطة والعمق، تم توظيف الديكور بعناية ليمثل البيئة الإماراتية القديمة، فجاءت الأبواب الخشبية، والمقهى الشعبي كرموز بصرية تغذي الخطاب المسرحي، هذه العناصر لم تكن مجرد خلفية بقدر ما لعبت دوراً تعبيرياً في ترسيخ معاني الحنين، والارتباط بالماضي، وانغلاق بعض الشخصيات على نفسها.
تم توظيف السينوغرافيا في هذا العمل بحرفية عالية لنقل الانفعالات الدرامية، فتارة تبرز الإضاءة ملامح الوجوه بحزنها وفرحها وصدمتها، وتارة تضفي ظلال الحنين والغموض على المشاهد التي تستدعي الماضي. كذلك، عكست الموسيقى الشعبية المستخدمة في الخلفية صوت الذاكرة والإرث الثقافي، ما جعل الجمهور أكثر ارتباطاً بالسياق المكاني والزمني للأحداث.
*تجربة لافتة
من خلال هذا العمل، يؤكد المؤلف سالم الحتاوي، والمخرج عيسى كايد، أن المسرح الإماراتي يقدم تجارب فنية بصرية وفكرية ذات هوية، متجذرة في الواقع، ومنفتحة على قضايا الأمة والمجتمع، وتعد المسرحية أيضاً نموذجاً متوازناً للمسرح الذي يربط الواقع بالخيال، ويفتح نوافذ متعددة التأويل للمتلقي، وكيفية إعادة تقييم دور الفرد والمجتمع في مواجهة التغيرات الداخلية والخارجية. ومع بساطة البنية الظاهرية للنص، فإن العمل مثقل بالدلالات الرمزية والسياسية والاجتماعية، ما يجعله جديراً بالتحليل والامتداد في سياق حركة المسرح العربي المعاصر.
جماليات إماراتية
«عرج السواحل»... متعة مسرحية تنهل من الموروث الشعبي
23 يوليو 2025 19:40 مساء
|
آخر تحديث:
23 يوليو 19:40 2025
شارك
مشهد من مسرحية «عرج السواحل»