لم تكن الفلسفة تجريداً نظرياً ولا بناء مذهبياً، بل كانت فناً للعيش وطريقة حياة، وعزاء ومواساة وممارسة علاجية. قدمت الفلسفة القديمة نفسها كعلاج، وهذا الهدف العلاجي ضالع بقوة في تشكيل الفلسفة القديمة. كان شكل الحياة في تلك العصور الخوالي مرهقاً خشناً، وكانت البيئة قاسية وفظة، وكان على الفلسفة أن تواجه هذا كله، وأن تعين المرء على هول الحياة ومرارة العيش، ومن شأن مهمة كهذه أن تجعل الصدارة للجانب العملي من الفكر، وأن يأتي الجانب النظري في المحل الثاني، ولا تكون له قيمة إلا بقدر ما يترجم إلى حياة، وبقدر ما يعاش ويمارس.
الفلسفة القديمة شفاهية في الصميم، ترتكز على الكلمة المنطوقة، ويجري تعليمها في مدارس، وتلقى على الطلاب، وحتى نصوصها المكتوبة تحكمها ضوابط شفاهية، كأنما كتبت لكي تسمع. والحق أن التعليم الأمثل ينبغي أن يكون شفاهياً، فليس غير الكلمة المنطوقة ما يجعل الحوار ممكناً، إذ يتكيف حديث المعلم وفق احتياج التلميذ، ومأزقه الراهن، أو سؤاله التالي، ووفق مرحلته التعليمية ودرجة تقدمه الروحي، لم يكن هذا الحديث التعليمي الشفاهي معنياً بإيصال معلومة بقدر ما كان هدفه إحداث أثر وتحول في شخصية التلميذ. كانت غاية الفلسفة التكوين لا التلقين، ومن هنا تأتي حتمية لجوئها إلى الكلمة المنطوقة.
*مبادئ
في كتابه «الفلسفة طريقة حياة.. التدريبات الروحية من سقراط إلى فوكو» (ترجمة عادل مصطفى)، يلفت «بيير آدو» مؤلف الكتاب، نظرنا إلى عامل مؤثر قائم بذاته: هو المتوارد، أي الصيغ المتداولة والتراكيب المتوارثة، وضغط هذا المتوارد على الكاتب، فالمهمة الأولى للفيلسوف ليست إيصال معرفة موسوعية في شكل نسق من القضايا والمفاهيم التي تعكس نسق العالم، وإنما ترمي الفلسفة إلى تحويل شخصية الإنسان، وتعليمه فن العيش، أي عيش حياة فلسفية، والعنصر الجوهري في الحياة الفلسفية ليس عنصراً قولياً، بل هو عنصر عملي، فالغاية من المبادئ الفلسفية هي تطبيقها.
كان الفكر، طوال ألفي عام، لا يعدو أن يكون تفسيراً لنص موثق، نص سلطة، وبخاصة نصوص أفلاطون وأرسطو، فالحقيقة معطاة في النصوص الموثقة، وما علينا سوى أن نكتشفها ونخرجها إلى واضحة النهار. كان الدرس الفلسفي في العصر الأوسط يتألف من تعليق على نص أو تفسير نص (الكتاب المقدس أو أرسطو أو بؤثيوس)، وانحصر البحث عن الحقيقة في البحث عن معنى النصوص (السلطة)، فالحقيقة قابعة في هذه النصوص ومنتسبة إلى كتاب هذه النصوص وأتباعهم ورثة الحقيقة.
يوضح الكتاب أن هذا الحال ظل كما هو حتى مطلع القرن السابع عشر، حيث بدأ الفلاسفة يرفضون الاحتكام إلى سلطة وينبذون التفكير التفسيري، ويرون أن الحقيقة ليست معطى جاهزاً، وأن على الفكر الإنساني أن يقوم بذاته ويعتمد على نفسه، إلا أن هذا التفاؤل المبدئي بدأ ينحسر منذ القرن التاسع عشر، إذ بدأت الفلسفة تدرك شيئاً فشيئاً أنها مشروطة أو مكيفة تاريخياً ولغوياً، ومع مجيء «هيجل» بدا أن للوعي الإنساني طابعاً تاريخياً خالصاً، وتحت تأثير المنهج الهيجلي سادت مع ماركس وغيره من الهيجليين فكرة أن النظرية لا يمكن أن تنفصل عن الممارسة، وأن فعل الإنسان على العالم هو ما يولد تمثلاته.
*تدريبات
الفلسفة في العصر القديم كانت علاجاً للانفعالات المرضية: الأهواء المنفلتة والمخاوف التي تسيطر على الإنسان، وتحرمه من أن يعيش حياة حقيقية. كانت الفلسفة تدريباً روحياً، يفضي إلى تحول عميق في أسلوب المرء في الرؤية والوجود. تهدف التدريبات الروحية إلى توسيع نطاق الرؤية، إلى الانتقال من الرؤية الضيقة الفردية البشرية الأرضية، إلى الرؤية الكونية الطبيعية بقدر المستطاع، وبقدر المتاح للبشر.
فن العيش.. كيف تساعدنا الفلسفة في الحياة؟
29 يوليو 2025 19:34 مساء
|
آخر تحديث:
29 يوليو 19:34 2025
شارك