بعد «الاجتماع الكبير» في البيت الأبيض الذي انعقد الأسبوع الماضي كشفت مصادر بارزة أن هناك خطة على مكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مكونة من 38 صفحة، حول اليوم التالي للحرب في غزة تتضمن عدة بنود أبرزها تحويل القطاع إلى مدينة ذكية، بوصاية أمريكية على طريقة «جزر مارشال».

المصادر الأمريكية أكدت أن الخطة التي يتم تداولها داخل الإدارة الأمريكية لما بعد الحرب في غزة، تم إعدادها على غرار تعهد ترامب «بالسيطرة» على القطاع، ومن شأنها أن تحوله إلى وصاية تديرها الولايات المتحدة لمدة لا تقل عن 10 سنوات، بينما يتم إعادة إعماره على هيئة منتجع سياحي جاذب ومركز تكنولوجيا عالية التقنية.
كما تتضمن الخطة، نقلاً مؤقتاً على الأقل لجميع سكان غزة الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، إما من خلال ما وصفته بالرحيل «الطوعي» إلى بلد آخر، وإما إلى مناطق مقيدة ومؤمنة داخل القطاع أثناء إعادة الإعمار.
رمز رقمي و5 آلاف دولار
وبحسب ما ورد بين السطور، فإن الصندوق الائتماني لمالكي الأراضي سيقدِّم رمزاً رقمياً مقابل حقوق إعادة تطوير ممتلكاتهم، لاستخدامها في تمويل حياة جديدة في مكان آخر، أو استبدالها في نهاية المطاف بشقة في واحدة من ست إلى ثماني مدن ذكية جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي سيتم بناؤها في غزة.
وسيُمنح كل فلسطيني يختار المغادرة دفعة نقدية قدرها 5000 دولار أمريكي، بالإضافة إلى دعم لتغطية إيجار منزله لمدة أربع سنوات في مكان آخر، بالإضافة إلى تكاليف الطعام لمدة عام. وتشير تقديرات الخطة إلى أن كل مغادرة فردية من غزة من شأنها أن توفر على الصندوق 23 ألف دولار، مقارنة بتكلفة السكن المؤقت وما تسميه خدمات «دعم الحياة» في المناطق الآمنة لأولئك الذين يبقون.
صندوق إعادة بناء غزة
أطلقت الخطة على هذا المقترح اسم «صندوق إعادة بناء غزة وتسريع التحول»، أو «صندوق GREAT»، وقد طُوّر من قِبل بعض المختصين الإسرائيليين أنفسهم الذين أسسوا وأطلقوا مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل. كما تولى التخطيط المالي فريق عمل آنذاك لدى مجموعة بوسطن الاستشارية.
وذكرت مجموعة بوسطن الاستشارية أن العمل على خطة الصندوق الائتماني لم يُعتمد صراحةً، وأن اثنين من كبار الشركاء الذين قادوا عملية النمذجة المالية طُردا لاحقاً.
100 مليار دولار
ومن بين أبرز ملامح الخطة أيضاً أن الصندوق «لا يعتمد على التبرعات»، بل سيتم تمويله من خلال استثمارات من القطاعين العام والخاص فيما يُسمّيه «مشاريع ضخمة»، من مصانع السيارات الكهربائية ومراكز البيانات إلى المنتجعات الشاطئية والشقق السكنية الشاهقة.
وتتضمن الحسابات المدرجة في الخطة تحقيق عائد يقارب أربعة أضعاف، على استثمار بقيمة 100 مليار دولار بعد عشر سنوات، مع تدفقات إيرادات ذاتية التوليد. وقال مصدر مطلع على مداولات الإدارة الداخلية لصحيفة واشنطن بوست: «أعتقد أن ترامب سيتخذ قراراً جريئاً» عند انتهاء القتال. وأضاف: «هناك خيارات متعددة ومختلفة قد تتخذها الحكومة الأمريكية، اعتماداً على ما سيحدث».
جزر المحيط الهادئ
وقارن أولئك المطلعون في كل من واشنطن وإسرائيل المبادرة بوصاية الولايات المتحدة على جزر المحيط الهادئ بعد الحرب العالمية الثانية، والأدوار الحكومية والاقتصادية التي لعبها الجنرال دوغلاس ماك آرثر في اليابان ووزير الخارجية جورج مارشال في ألمانيا بعد الحرب.
وبينما كانت الولايات المتحدة تُدير أراضي الوصاية في المحيط الهادئ، فقد حظيت هذه الترتيبات بموافقة الأمم المتحدة، التي من غير المرجح أن يوافق أعضاؤها على علاقة مماثلة مع غزة. إلا أن مخططي الوصاية يُصرّون على أنه بموجب مبدأ القانون الدولي العرفي «الحيازة القانونية المُطلقة» والقيود المفروضة على الحكم الذاتي الفلسطيني بموجب اتفاقيات أوسلو لعام 1993، تتمتع إسرائيل بالسيطرة الإدارية على الأراضي المحتلة وحق التنازل عنها.

امتيازات لإسرائيل
وكما هو موضح في وثيقة الوصاية، ستنقل إسرائيل «السلطات والمسؤوليات الإدارية في غزة إلى الصندوق الائتماني الكبير بموجب اتفاقية ثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل»، والتي «ستتطور» إلى وصاية رسمية.
ووفق الخطة، ستحتفظ إسرائيل «بحقوق شاملة لتلبية احتياجاتها الأمنية» خلال السنة الأولى، بينما سيتولى مواطنو دول ثالثة غير محددين ومتعاقدون عسكريون غربيون خاصون مسؤولية الأمن الداخلي بالكامل تقريباً. وسيتقلص دورهم تدريجياً على مدى عقد من الزمن مع تولي «الشرطة المحلية» المدربة المسؤولية.
وستتولى هذه الهيئة إدارة غزة لفترة طويلة تقدر أنها ستستغرق عشر سنوات «حتى تصبح السياسة الفلسطينية المصلحة والمتحررة من التطرف جاهزة لتولي مكانها». ولا تُشير الوثيقة إلى قيام دولة فلسطينية في نهاية المطاف.
وتتحدث الخطة عن موقع غزة «عند مفترق طرق» ما سيصبح منطقة «موالية لأمريكا»، مما يمنحها إمكانية الوصول إلى موارد الطاقة والمعادن الحيوية، ويعمل كمركز لوجستي للممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا الذي تم الإعلان عنه لأول مرة أثناء إدارة بايدن، ولكن تم إخراجه عن مساره بسبب حرب إسرائيل وغزة.
المشاريع المتوقعة
تشمل «المشاريع الضخمة» الممولة من المستثمرين تعبيد طريق دائري وخط ترام حول محيط غزة، وستكون الحدود الشرقية لغزة مع إسرائيل منطقة صناعية «ذكية»، تضم شركات سيارات كهربائية أمريكية ومراكز بيانات إقليمية. وستُخصص الواجهة البحرية الغربية لغزة لـ«ريفييرا غزة ترامب»، التي تضم «منتجعات عالمية المستوى»، مع إمكانية إنشاء جزر اصطناعية.
في قلب هذه المنطقة، بين المنتجعات المطلة على الواجهة البحرية والمنطقة الصناعية - التي تتوقع الخطة أن توفر مليون فرصة عمل - سيتم تشييد مبانٍ سكنية يصل ارتفاعها إلى عشرين طابقاً في ست إلى ثماني مدن ذكية ديناميكية وحديثة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وستشمل المناطق متعددة الاستخدامات «مساكن، ومراكز تجارية، وصناعات خفيفة، ومرافق أخرى، بما في ذلك العيادات والمستشفيات والمدارس وغيرها»، تتخللها «مساحات خضراء، تشمل أراضي زراعية وحدائق وملاعب جولف».
وسيتم عرض ملكية شقق جديدة بمساحة 1800 قدم مربعة تقدر قيمتها بنحو 75 ألف دولار على العائلات الغزية التي تبقى أو تغادر ثم تعود بعد الانتهاء من بناء المناطق السكنية لتبادل رموز أراضيها.
وقال عادل حق، أستاذ وخبير في قانون النزاعات المسلحة بجامعة روتجرز، إن أي خطة تمنع الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم، أو تمنع تزويدهم بالطعام والرعاية الطبية والمأوى بشكل غير كاف، ستكون غير قانونية - بغض النظر عن أي حافز نقدي يقدم للمغادرين.

مقترح عربي
دول عربية، من بينها مصر والسلطة الفلسطينية كشفت عن خطة بديلة، في قمة عُقدت في مارس/آذار، حيث أيّد القادة العرب المقترح المصري الذي ينص على تشكيل حكومة من تكنوقراط غزة ومسؤولين من السلطة الفلسطينية. وبالإضافة إلى إمكانية نشر قوات حفظ سلام عربية على الأرض، صرّح مسؤولون في القاهرة بأن أفراداً من قوة شرطة غزة، التي تم حلها بشكل كبير، يتلقون تدريباً في مصر لتوفير الأمن بعد نزع سلاح حماس.
لكن رفضت كل من إسرائيل والولايات المتحدة، الدولتان الوحيدتان اللتان تحدثتا علناً عن نقل سكان غزة من غزة حتى ولو مؤقتاً، الاقتراح العربي.
ورغم ذلك، لم يُقدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رؤيةً واضحةً لمستقبل غزة، باستثناء القول بضرورة نزع سلاح حماس وإعادة جميع الرهائن. وقال إنّ على إسرائيل الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية على القطاع، ورفض أيّ حكمٍ مستقبليٍّ للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وكذلك أيّ احتمالٍ لقيام دولة فلسطينية. ثم وافقت إسرائيل، التي تقول إن قواتها تسيطر الآن على 75% من القطاع، على هجوم جديد للسيطرة على الباقي.
كما دعا أعضاء اليمين المتطرف في حكومة نتنياهو الائتلافية إلى احتلال إسرائيلي دائم. وصرح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي طالب بضم غزة وإعادة توطين إسرائيل فيها «بسيطرة إسرائيل على القطاع بأكمله، إلى الأبد»، ملمحاً إلى ضم محيط أمني وفتح أبواب غزة للهجرة الطوعية.
لطالما كان إجلاء الفلسطينيين من غزة موضوع نقاش في السياسة الإسرائيلية منذ حرب عام 1967. وعاش المستوطنون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع الفلسطينيين هناك حتى عام 2005، عندما نصت اتفاقية سلام على رحيلهم.
وفي أعقاب الغضب العربي والاتهامات الواسعة بأن أي ترحيل قسري يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، أكد كلٌّ من ترامب ونتنياهو مؤخراً أن أي ترحيل لسكان غزة بعد الحرب سيكون طوعياً، ومؤقتاً إن شاء الفلسطينيون.
في غضون ذلك، تحركت إسرائيل لحصر سكان غزة، البالغ عددهم حوالي مليوني نسمة، في شريط ضيق على الواجهة البحرية جنوباً، بينما تستعد لهجومها الشمالي على مدينة غزة. فيما تُقدّر الأمم المتحدة أن 90% من مساكن القطاع قد دُمّرت.