إعداد: فوّاز الشعّار
لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسرَ فيها، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.
في رحاب أمّ اللغات
من بدائع التّشبيه، وصفُ محمود سامي البارودي، لمحبوبته:
مَنْ لِي بِظَبْيَةِ خِدْرٍ كُلَّما وَعَدَتْ
بِزَوْرَةٍ أَعْقَبَتْ لِلوَعْدِ إِخْلافا
تَحْكِي الغَزالةَ أَلْحاظاً إِذا نَظَرَتْ
والوَرْدَ خَدَّاً وغُصْنَ الْبانِ أَعْطافا
فهو يشبّهها بالغزالة، في مَرحها وفي جمال عَيْنَيْها.
وقَوْلُ الأعْشَى، واصفاً مَحبوبته أيضاً:
غَرَّاءُ فَرْعاءُ مَصْقولُ عوارِضُها
تَمْشِي الهُوَيْنَى كَما يَمْشِي الوَجِي الوَحِلُ
كأنَّ مِشْيَتَها من بَيْتِ جارَتِها
مَرُّ السَّحابَةِ لا رَيْثُ ولا عَجَلُ
يشبّه مشيتها، مَرّة بالشخص الحذر، لهدوئها، ومَرّة بالسحابة التي لا يشعر أحد بها.
دُرَرُ النّظْمِ والنَّثْر
في ذي الجفون
أحمد شوقي
(بحر الكامل)
في ذي الجُفونِ صَوارِمُ الأَقدارِ
راعي البَرِيَّةَ يا رَعاكِ الباري
ما أَنتِ في هَذي الحُلى إِنسِيَّة
إِن أَنتِ إِلّا الشَّمْسُ في الأَنْوارِ
زَهْراءُ بِالأُفقِ الَّذي مِن دونِهِ
وَثْبُ النُّهى وتَطاوُلُ الأَفكارِ
تَتَهَتَّكُ الأَلْبابُ خَلفَ حِجابِها
مَهما طَلَعْتِ فَكَيفَ بِالأَبصارِ
يا زينَةَ الإِصْباحِ والإِمساءِ بَل
يا رَوْنَقَ الآصالِ وَالأَسحارِ
ماذا تُحاوِلُ مِن تَنائينا النَّوى
أَنتِ الدُنى وأَنا الخَيالُ السّاري
ألْقى الضُّحى أَلْقاكِ ثُمَّ مِنَ الدُّجى
سُبُلٌ إِلَيْك خَفِيَّةُ الأَغْوارِ
وإِذا أَنِستُ بِوَحْدَتي فَلِأَنَّها
سَبَبي إِلَيكِ وَسُلَّمي ومَناري
إيـهٍ زَمـاني في الهَوى وَزَمانَها
مـا كُنتُمـا إِلّا النَّميـرَ الجاري
مُتَسَلْسـِلاً بَيـنَ الصـَبابَةِ وَالصِبا
مُتَرَقرِقـــاً بِمَســارِحِ الأَوطــارِ
نَظَرَ الفراقُ إِلَيْكُما فَطَواكُما
إِنَّ الفِراقَ جَهَنَّمُ الأَقدارِ
من أسرار العربية
ما بَيْن الأشياء: البَرْزَخُ: بَيْنَ كُلِّ شَيْئَينِ، وكَذَلِكَ المَوْبِقُ. وقَدْ قِيلَ: البَرْزَخَ ما بين الدُّنْيا والآخِرَةِ. الرَّقْدَةُ: بَيْنَ العاجِلَةِ والآجِلَةِ. المَدْلَجُ: بَيْنَ البِئْرِ والحَوْضِ. الرَّهْوُ: بَيْنَ التَّلَّيْنِ. الفالجة: مُتَّسعُ ما بَيْنَ كُلِّ مُرْتَفِعَيْنِ. الفُواقُ ما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ. القَرُّ: مَرْكَبٌ للرِّجالِ بَيْنَ السَّرْجِ والرَّحْلِ. الفَرْطُ: اليَوْمُ بَيْنَ اليَوْمَيْنِ. قَوْنَسُ الفَرَسِ: ما بَيْن اَذُنَيْهِ. المَزالِفُ: البَراغيلُ وهي البلاد بين الريف والبَرّ، الواحدة مَزْلَفة. السُّدْفَةُ: ما بَيْنَ المَغْرِبِ والشَّفَق، وما بَيْن الفَجْرِ والصَّلاةِ؛ قال تميم بن أبي بن مقبل:
ولَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِـدَهـا
بصُدرةِ العَنْسِ حتّى تَعْرِفَ السَّدَفا
* هفوة وتصويب
يقول بعضهم «وكان المشهدُ رائعاً».. ويقصدون كثير الجمال، وهو لفظ غير دقيق؛ ففي صحيح اللغة: الرَّوْعُ والرُّواع والتَّرَوُّع: الفَزَعُ؛ وراعَني الأَمرُ يَرُوعُني رَوْعاً. الرَّوْعةُ: الفَزْعة. وفي حديث الدّعاء «اللهم آمِنْ رَوعاتي»؛ وهي جمع رَوْعة وهي المرّة الواحدة من الرَّوْع الفَزَعِ. والرُّوع: موضع الرَّوْع وهو القلب؛ قال ذو الرُّمّة:
وَلّى يَهُذُّ انْهزاماً وَسْطها زَعِلاً
جَذْلانَ قَد أَفْرَخَتْ عن رُوعِه الكُرَبُ
الهَذّ: سُرعَةُ القَطع. وزَعِلاً: نشيطاً.
من حكم العرب
أَحكَمُ الناسِ في الحَياةِ أُناسٌ
عَلَّلوها فَأَحْسَنوا التَعليلا
فَتَمَتَّع بِالصُبحِ ما دُمتَ فيهِ
لا تَخَف أَن يَزولَ حَتّى يَزولا
البيتان لإيليا أبي ماضي، يقول إنّ النظرة المتفائلة للحياة، تمنح شعوراً بالراحة والطمأنينة.. وخير السلوك أن يعيش المرء مستبشراً بأن القادم يحمل الخير.
عذب الكلام
5 سبتمبر 2025 23:23 مساء
|
آخر تحديث:
5 سبتمبر 23:23 2025
شارك