عندما توجه حوالي 30 مسؤولاً ومستشاراً من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحضور حفل عشاء خاص، لم يتوقعوا أن يتحول إلى ساحة مواجهة علنية بين اثنين من أقرب مساعديه، وصلت حد محاولة الاعتداء البدني، وسط ذهول الحاضرين الذبن حاول بعضهم تهدئة الأجواء.

 المواجهة وقعت بين اثنين من كبار المسؤولين الاقتصاديين في إدارة ترامب، وهما وزير الخزانة سكوت بيسنت ورئيس وكالة تمويل الإسكان الفيدرالي بيل بولتي، المعين من قبل ترامب، لكن الصدام الدرامي بحسب مصادر مطلعة كشف عن توترات بين الرجلين على مدار الأيام الماضية.

وكان من بين الحضور، وزير النقل شون دافي، ووزير التجارة هوارد لوتنيك، ووزير الداخلية دوغ بورغوم، ووزيرة الزراعة بروك رولينز، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، ومديرة إدارة الأعمال الصغيرة كيلي لوفلر، ورئيس برنامجي الرعاية الصحية (ميديكير) والمساعدات الطبية محمد أوز، بالإضافة إلى المستثمر ديفيد ساكس.

العشاء الذي جرى تنظيمه الأربعاء الماضي، بحسب صحيفة بوليتكو، كان من المفترض أن يمر في أجواء هادئة وإيجابية، لكن الحضور تفاجأوا بصوت الوزير بيسنت يصرخ في وجه زميله بولتي قائلاً: «سأضربك في وجهك اللعين»، ثم سأله «لماذا تتحدث عني أمام الرئيس؟».

وبحسب عدد من المصادر المطلعة، شنّ بيسنت هجوماً لاذعاً على بولتي. وقال أحد المطلعين إن وزير الخزانة سمع من عدة أشخاص أن مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان كان يُسيء إليه أمام ترامب. ولم يكن مستعداً للخوض في نقاشٍ كما لو أن كل شيء بينهما بخير.

وتضيف المصادر أن بولتي بدا مذهولاً، ما دفع أحد الشخصيات إلى التدخل، لكن بيسنت لم يرضَ، بل سعى لطرد زميله، كما أفاد شاهد العيان، حيث قال له: «إما أنا أو هو. أخبرني من سيخرج من هنا؟» ثم استطرد: «أو يمكننا أن نخرج». فرد بولتي: «لِماذا؟.. لنتكلم؟، لكن بينست رد» لا، سأضربك ضربًا مبرحًا». وبعد تصاعد التوتر، تدخل أحد الحضور سعيًا لتهدئة الموقف، حيث اصطحب بيسنت إلى ركن آخر من الطاولة الكبيرة، وخلال العشاء، جلس بيسنت وبولت على طرفيها، حتى لا يشتبكان مرة أخرى».

 ما سر التوتر بين الرجلين؟

 تؤكد المواجهة، التي وصفها أحد المقربين من ترامب بأنها «مجنونة»، التوترات المفاجئة بين كبار المسؤولين في إدارة ترامب المكلفين بالعمل على أكثر المسائل الاقتصادية حساسية في البلاد. وكان ترامب قد أعلن في مايو أن بيسنت ولوتنيك وبولتي سيتعاونون في خطة لخصخصة «فاني ماي وفريدي ماك»، وهما الهيئتان الفيدراليتان لتمويل الإسكان اللتان يشرف عليهما بولتي. وفي الأسابيع الأخيرة، قاد بولتي مبادرةً قد تُطرح فيها ما يصل إلى 15% من أسهم فاني ماي وفريدي ماك في الأسواق العامة.

 لكن خلف الكواليس، اختلف الرجلان في ما يشبه صراعاً على النفوذ حول شركات الرهن العقاري العملاقة، بالإضافة إلى مسائل اقتصادية أخرى، حسبما قالت مصادر مطلعة، ويعتقد بيسنت أن بولت قد تدخّل في شؤون يعتبرها الوزير من اختصاصه. وتضيف أن بولتي شعر بالانزعاج من «خطر التعالي». 

علاقة بولتي ولوتنيك

 وما يُعقّد الأمور برمتها، وفقًا لحلفاء إدارة ترامب الذين يتابعون الأحداث عن كثب، هو علاقة بولتي الوثيقة بوزير التجارة لوتنيك، الذي تشهد علاقته ببيسنت توتراً منذ تولي منصبه، عندما تنافس الرجلان على منصب وزير الخزانة. وقد أدى ذلك إلى نشوء حالة من انعدام الثقة في أي عمل مشترك بين الثلاثة. ويؤكد المقربون أن هذا هو السبب وراء غضب بيسنت، الذي يشعر بأنه لا يملك وقتاً للنميمة نظراً لمهامه الجسيمة، وعندما رأى بولتي في حفل العشاء يوم الأربعاء انفجر في وجهه. 

منافسة على النفوذ والسلطة 

ويتمتع الرجلان بعلاقات وثيقة مع ترامب، ومن المعروف داخل دائرة الرئيس أنهما يتنافسان علانية على النفوذ والسلطة، وإن كان بطرق مختلفة. وبيسنت، الذي يُظهر علنًا هدوءه، نال ثقة ترامب باعتباره شخصيةً مُهدئةً للأسواق المتوترة بشأن الرسوم الجمركية وغيرها من القضايا الاقتصادية. 

ويعد بيسنت، وهو مدير صندوق تحوّط سابق، مؤثرٌ معتدل على الإدارة، وقد تجاوز ارتباطه السابق بالمانح الديمقراطي الأشهر جورج سوروس، ويُعتبر الآن من أقرب حلفاء ترامب. بينما اتخذ بولتي الذي يوصف بالرجل الجرئ والبالغ من العمر 37 عامًا، نهجاً أكثر عدوانيةً في وظيفته الأقل شهرة. ويعد سليل عائلةٍ كوّنت ثروةً من بناء المنازل، وسارع إلى طرد أكثر من 100 موظف ليتولى الإدارة المباشرة للكيانات الرئيسية لتمويل الإسكان، وغالبًا ما كان يطرح مبادراتٍ جديدةً على منصة إكس التي يملك عليها 3 ملايين متابع. 

معركة الاحتياطي الفيدرالي 

في الأسابيع الأخيرة، ارتفعت مكانته في البيت الأبيض، إذ استغل منصبه لفتح تحقيقات تتعلق بالرهن العقاري مع عدد من منتقدي الرئيس. كما ضاعف جهوده لاستهداف ليزا كوك، أحد محافظي مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بزعم أنها سعت للحصول على قروض عقارية لشراء عدة منازل، وسط ضغط على الاحتياطي الفيدرالي. وتحرك ترامب لإقالة كوك، المُعيّنة من قِبل سلفه جو بايدن، الشهر الماضي. ووصفت كوك هذه الادعاءات بأنها لا أساس لها، ورفعت دعوى قضائية للطعن في قرار إقالتها. ولا تزال القضية قيد النظر. 

في سياق متصل، كان بيسنت وبولتي على طرفي نقيض في الجدل الدائر حول ما إذا كان ينبغي على ترامب إقالة رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول. وكان بيسنت، قد حذّر سرًا من أن مثل هذا القرار سيؤدي إلى زعزعة استقرار الأسواق المالية. من ناحية أخرى، دعا بولتي باول مراراً وتكراراً إلى الاستقالة، واتخذ موقفًا مفاده أن ترامب يملك سلطة إقالة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي لسبب وجيه، استناداً إلى سوء إدارته المزعوم لتجديدات مقر الاحتياطي الفيدرالي الباهظة التكلفة. بل إن بولتي قدّم لترامب مسودة خطاب إقالة باول، وفقًا لما ذكرته صحيفة واشنطن بوست في يوليو/تموز. 

 

شجار آخر مع ماسك 

لم يكن شجار الأربعاء هو المرة الأولى التي يشتبك فيها بيسنت مع مسؤول في إدارة ترامب، ففي أبريل، واجه إيلون ماسك خارج المكتب البيضاوي مباشرةً، متهمًا قطب التكنولوجيا - الذي كان يدير آنذاك مبادرة وزارة كفاءة الحكومة - بالتجسس عليه لضمان ترشيحه، غاري شابلي، لمنصب مفوض دائرة الإيرادات الداخلية بالوكالة. بينما كان بيسنت يضغط من أجل تعيين نائب وزير الخزانة مايكل فولكندر في المنصب، وقد نجح في النهاية. لكن غادر فولكندر الوزارة أواخر الشهر الماضي بعد خمسة أشهر فقط من توليه المنصب.