رغم مرور 24 عاماً على هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن الأسرار والمشاهد غير المسبوقة ما زالت تتكشف، في وقت تمكَّنت مكتبة نيويورك العامة من الحصول على أكثر من 500 ساعة مرئية لمقاطع الفيديو الجماعية التي وثقت الهجمات لحظة وقوعها وتداعياتها الصادمة، بما فيها مشاهد رصدت عبارات في شوارع نيويورك عقب الهجوم مباشرة تقول: «العلم الأمريكي ينشر العنف».
وبعد هجوم مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر/أيلول 2001 مباشرةً، تجمع سكان نيويورك المذهولون لفهم ما حدث، وبالنسبة للبعض، كان أول رد فعل إنشاء أضرحة في الحدائق وأمام مراكز الإطفاء، أما بالنسبة للمخرجين ستيفن روزنباوم وباميلا يودر، فقد بادرا بنشر إعلان مفاده: «هل لديك لقطات فيديو من أسبوع 11 سبتمبر؟.. يمكنك المساهمة في توثيق التاريخ» وهو ما أعانهما لاحقاً على إنتاج فيلم وثائقي، أثار جدلاً لما تضمنه من مشاهد.
لطالما وُصف الحادي عشر من سبتمبر بأنه اليوم الأكثر تصويراً في التاريخ الأمريكي، لكن هذا الأرشيف يُخلّد لحظةً سبقت الطوفان الرقمي الحالي والذي أصبح فيه كل من يحمل كاميرا هاتف محمول مُوثّقاً. وبالفعل تمكن الزوجان من جمع أكثر من 500 ساعة مرئية للأحداث وما تلاها.
فيلم وثائقي بالصدفة
صباح الحادي عشر من سبتمبر 2001، كان فريق من شركة الإنتاج الخاصة بالزوجين يُصوّر فيلماً وثائقياً عن كلاب نيويورك لصالح قناة أنيمال بلانيت، بدلاً من ذلك، أرسلا سبعة فرق تصوير إلى مانهاتن بتوجيه بسيط: أينما كانت كاميرات الأخبار تُصوّر، وجّهوها إلى الاتجاه الآخر، ثم واصلا التصوير بقية الأسبوع، حتى انطلقا في محاولة لتجميع أجزاء فيلم وثائقي.
ويتضمن الأرشيف لقطات مرتجفة تصور الطائرة الثانية وهي تصطدم بالبرج الشمالي (وبعد لحظات قليلة، تبدأ الكلمات البذيئة عندما تدرك المشغلة، جينيفر سبيل، ما رأته للتو)، كما يتضمن لقطات لأشخاص يركضون من سحب الغبار أثناء انهيار البرج الجنوبي، لكن اللقطات رصدت أيضاً الحالة المزاجية في الشوارع، والمناظرات السياسية الخام التي بدأت على الفور تقريباً وفق ما ذكرت نيويورك تايمز.
العلم الأمريكي والعنف
في أحد المشاهد الأكثر حيوية، يوم 14 سبتمبر/أيلول بدأ حشد وقفة احتجاجية، سرعان ما تحولت إلى مشادة كلامية بعد أن كتب شخص ما على الرصيف عبارة «العلم الأمريكي ينشر العنف».
ويدور حوارٌ أشبه بالسيناريو المسرحي حول الحزن والانتقام والسياسة الخارجية الأمريكية وفي لحظةٍ ما، ينخرط رجلٌ في منتصف العمر يرتدي قبعةً رسميةً من نقابة عمال البناء وامرأةٌ شابةٌ في جدالٍ حادّ، ثم يتعانقان متعثرين وهما يصفان العثور على أشلاءٍ في موقع الهجوم، مكررين: «نتقاتل، ثم نتعانق».
زهور بجوار الحطام
واستجاب أكثر من 100 شخص بمقاطع فيديو صُوّرت من نوافذ الشقق وأسطح المنازل وفي زوايا الشوارع والحدائق، وثّقت دمار الهجوم والمزاج الجماعي الذي ساد أعقابه مباشرةً، حيث رسم الأطفال زهوراً بجوار السيارات المحطمة وتجمع آخرون للتأمل وأحياناً للتشاجر، فيما استُخدمت بعض اللقطات في الفيلم الوثائقي للزوجين بعنوان: «سبعة أيام في سبتمبر». ولكن منذ ذلك الحين، لم يُشاهد الكثير من هذه اللقطات، التي تزيد على 500 ساعة.
ومؤخراً، حصلت مكتبة نيويورك العامة على أرشيف الزوجين، الذي تقول: إنه أكبر مجموعة توثيقية مرئية للهجوم والأيام التي تلته وسيتم التبرع به مع أكثر من 700 ساعة من لقطات خلف الكواليس، التقطها الزوجان أيضاً لعملية إنشاء النصب التذكاري ومتحف 11 سبتمبر في مانهاتن، لكنها لن تكون متاحة عبر الإنترنت بالكامل إلا بحلول عام 2030.
ووصفت جولي غوليا، كبيرة أمناء المخطوطات بالمكتبة، هذه المجموعة المرئية بأنها بمثابة «كبسولة زمنية متعددة الطبقات» وقالت: «يتعلق الأمر بأحداث الحادي عشر من سبتمبر ولكنه أيضاً بمثابة توثيق شامل للنقاش حول معناها».
حذف مشاهد بعينها
بعد مشاهدة نسخة من الفيلم الوثائقي «الغريب»، أرسل متحف أمريكي خطاباً قانونياً يطلب فيه حذف 36 مشهداً، قال: إنها تحتوي على «مغالطات وتشوهات»، لكن صانعي الفيلم رفضا إجراء أي تعديلات، وفي عام 2021 أصدرا نسختهما، التي اتهمت إدارة المتحف بتقليل الأبعاد السياسية للهجوم ويعتقد المتحف بأن أجزاءً من الفيلم الوثائقي للزوجين «مهينة للضحايا وعائلاتهم».
في وقتٍ تشهد فيه العديد من المؤسسات في الولايات المتحدة انقساماتٍ أيديولوجيةً وحزبيةً، لا تزال ذكرى الهجوم محفوفة بالمخاطر السياسية، بينما يدرس الرئيس دونالد ترامب الاستيلاء الفيدرالي على متحف 11 سبتمبر، الذي أثار انتقادات من بعض عائلات الضحايا بسبب رواتب المديرين التنفيذيين وأوضاعه المالية، فيما استقطب المتحف ـ وهو مؤسسة خاصة غير ربحية تبلغ رسوم دخوله 36 دولاراًـ حوالي 2.4 مليون زائر العام الماضي.
ويتوقع الزوجان من الباحثين والمبدعين في المستقبل أن يكتشفوا قصصاً ورؤى جديدة تماماً في الأرشيف، ويضيف: «أملي أن ما سيأتي سيكون بمثابة صدمة كاملة لنا».
ماذا جرى خلال الأحداث؟
وفي كل عام منذ وقوع الأحداث، تتوقف مدينة نيويورك لتذكر الهجمات التي غيرت وجه المدينة والولايات المتحدة إلى الأبد، حيث تتم قراءة الأسماء يعقبها لحظات الصمت الحزين عند النصب التذكاري ومتحف 11 سبتمبر في مانهاتن.
ويشير الاختصار «9/11» إلى يوم 11 سبتمبر، عندما جرى تنفيذ هجمات منسقة على مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك وعلى البنتاغون في أرلينجتون بولاية فرجينيا.
ووفق الرواية الأمريكية، اختطف تسعة عشر مسلحاً من تنظيم القاعدة الإرهابي أربع طائرات، وصدموا باثنتين منها عمداً برجي مركز التجارة العالمي وبثالثة مبنى البنتاغون، بينما كانت الرابعة متجهة إلى مبنى الكابيتول في واشنطن العاصمة، لكن الركاب وأفراد الطاقم قاتلوا، فتحطمت في حقل خال بولاية بنسلفانيا.
الأحداث وقعت، عندما كان جورج دبليو بوش قد أمضى تسعة أشهر فقط في ولايته الأولى كرئيس للولايات المتحدة، بينما كان رودي جولياني في أشهره الأخيرة كرئيس لبلدية مدينة نيويورك. ووقعت الهجمات يوم الانتخابات التمهيدية في المدينة، بعد أقل من أسبوع من عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، حيث فُتحت صناديق الاقتراع في السادسة صباحاً، قبل ساعات قليلة من وقوع المأساة.
عدد قياسي للقتلى
كان عدد القتلى في أحداث 11 سبتمبر هو الأعلى على الأراضي الأمريكية، حيث أدت الهجمات إلى مقتل 2977 شخصاً من 90 دولة مختلفة، 2753 منهم قتلوا في نيويورك، بينما قُتل 184 في البنتاغون، و40 على متن الرحلة رقم 93.
وكان مركز التجارة العالمي في نيويورك رمزاً للقوة الاقتصادية العالمية لأمريكا وكان البرجان التوأمان أطول مبنيين في المدينة وكان عدد الموجودين داخل المجمع وقتها حوالي 18 ألف شخص.
وكانت هذه الهجمات الأكثر دموية على الإطلاق على الأراضي الأمريكية، بعد مقتل أكثر من 2400 أمريكي في الهجوم الياباني على بيرل هاربور في عام 1941. بينما كان هذا الهجوم هو الثاني الذي يستهدف مركز التجارة العالمي، بعد واقعة عام 1993، عندما فجّر مسلحون شاحنة صغيرة تحت الأرض، مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة الآلاف.