يعتبر الفن أداة مهمة للتعبير عن المشاعر الإنسانية، إذ يستطيع الفنان أن يصور بالفرشاة والألوان ما يخالجه من أفكار بكل حرية وسلاسة. في اللوحة التي أمامنا لعلي العبدان، نحن أمام مشهد بصري واقعي، أو هو مشهد تراثي شعبي، وهو في الحقيقة يلخص سردية بصرية ثقافية واجتماعية، تنطوي على كثير مما يمكن قراءته واستشفافه.
نحن في هذه اللوحة، أمام بعد رمزي وحكائي، يستخدم العناصر المرئية مثل الأشكال والألوان والإيماءات، لتجسيد مفاهيم وأفكار ومشاعر يمكن تأملها من خلال عدة عناصر وخاصة (الرجل) الذي يتصدر اللوحة.
تصور اللوحة التي أمامنا رجلاً مسناً يجلس متربعاً على أريكة بيته، وعنوان اللوحة هو (الأرمل) وقد أنجز علي العبدان هذه اللوحة في عام 2011.
يسند الرجل رأسه على يده في حالة حزن، ومن يدقق في اللوحة يرى الرجل وهو ينظر إلى (التلي) الذي أمامه، والتلي حرفة إماراتية شعبية كانت تمارسها المرأة لنسج خيوط ملونة، لتشكل أشرطة مزخرفة تستخدم لتزيين الملابس النسائية.
يبدو أن الرجل في اللوحة يتذكر زوجته التي فارقته حديثاً، واللوحة تفيض بكثير من المشاعر الوجدانية والجياشة، فقد كانت المرأة بمثابة الشريك الحقيقي للرجل، تسنده في كل ما تتطلبه شؤون الحياة والأسرة، هي كما يقول العبدان حاضرة بما تحمل من مشاعر وحب، وها هو الرجل يستعيد هذه المشاعر في حالة من الفقد والحزن.
أبدع العبدان في تشكيل حلة لونية باستخدام الزيت، ليعبر عن حالة (الزوج - الرجل ) الذي أطلق عليه (الأرمل) في تعبير مؤلم وعميق عن فكرة الحنين والفقد، واللوحة هنا، تمثل مشهداً داخلياً وحميماً لرجل يجلس على الأرضية المفروشة بالسجاد الأحمر، مسنداً رأسه إلى يده في وضعية توحي بالاستسلام للحزن وهنا، اختار العبدان أن يكون الرجل وحيداً، محاطاً بفراغ واسع داخل اللوحة، ما يضاعف من شعور العزلة الذي يعيشه.

اللون
أبدع العبدان في التركيب اللوني في هذه اللوحة فجاءت ألوانها الأساسية تمزج بين الأحمر والبرتقالي والأصفر المائل إلى البني، في اختيار جمالي يحمل دلالات نفسية قوية، الأحمر يوحي بالحب، الذي عاشه الرجل، وبالحزن الذي يلتهم قلبه، فيما يعكس الأصفر القريب من البرتقالي حرارة الذكريات التي لا تزال متقدة في داخله.
تفاصيل المشهد تكشف عمق الرمزية التي أراد العبدان إيصالها للمشاهد من خلال عناصر حيث هناك الوسائد البيضاء على جانبي الرجل وهي بيضاء لأنها توحي بالغياب، وكأنها تجسد فراغ المكان بعد رحيل الزوجة.
أما آلة التلي في مقدمة اللوحة فهي المفتاح العاطفي للعمل،، وهي تتجاوز كونها أداة تراثية لترمز للعلاقة التي جمعته بزوجته، وللحياة التي عاشاها معاً، أما نظرة الرجل فهي بمثابة استعادة لهذه الذكريات، لكل لحظة عاشاها معا، وربما أنه ندم على ما لم يقل أو لم يفعل في حياتهما المشتركة.
أما الملامح المجهدة أو المرهقة على وجه الرجل فهي تترجم شعوره بالخسارة، وقد استطاع العبدان أن ينقل بفرشاته هذه الملامح بكل قوة، فالتجاعيد البادية على وجه الرجل، تبدو كحفر صنعها الحزن في داخله، ووضعية الجلوس بانحناءة الجسد ورأس يستند على اليد، تحاكي لحظة استسلام كاملة لتيار الذكريات.
هنا، ينجح العبدان في أن يجعل المشاهد شريكاً ومتعاطفاً مع الشخصية في لحظة ألم إنساني خالص.
ما يميز هذه اللوحة بحق، هو توازنها بين الواقعية والرمزية، فالمشهد واقعي في تفاصيله، لكنه يتجاوز الوصف المباشر إلى ما وراء الصورة، إلى تلك المساحة التي يسكنها الشعور.
اللوحة تذكرنا بأن لحظات الفقد لا تنتهي، بل تتخذ مكانها في تفاصيل حياتنا اليومية، في الأشياء الصغيرة التي كانت تشاركنا الحياة، وتتحول بعد الرحيل إلى «أيقونات» للذكرى.