اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منصة البيت الأبيض، لطرح قضية التوحّد بوصفها «شخصية» بالنسبة له، مطلقاً تصريحات صادمة ربط فيها بين مرض التوحّد، وتناول دواء «تايلينول» الشائع أثناء الحمل، إلى جانب دعوات، لتقليل جرعات التطعيم للأطفال.
وسارع خبراء الطب والعلماء نحو تفنيد تحذيرات ترامب، محذرين من مخاطرها على ثقة الناس بالعلم، وعلى صحة الأمهات والأطفال.
وبين الدعم السياسي والانتقادات العلمية، تحوّلت القضية إلى ساحة صراع جديدة بين الطب والسياسة في أمريكا.
قضية شخصية في البيت الأبيض
أعلن ترامب في قاعة روزفلت داخل البيت الأبيض عن تقرير حول التوحّد، مؤكداً أن القضية بالنسبة له «شخصية»، وانتظر هذا اليوم منذ 20 عاماً.
«عندما كنت صغيراً، لم يكن التوحّد مطروحاً كقضية، والآن فجأة أصبح وباء. لكل شخص نظريته، ونظريتي هي الحقن.. إنهم يتلقون جرعات ضخمة دفعة واحدة.. أعتقد أنها اللقاحات»، بحسب حديث ترامب لصحيفة «ساوث فلوريدا».
وفي إطار مواصلة ترامب التعبير عن مخاوفه من العلاقة بين التوحّد واللقاحات، فقد أثار القضية مجدداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي عام 2014، ثم عاد وطرحها في مناظرة رئاسية عام 2015.
وقال ترامب لصحيفة: «شاهدت ذلك بعيني، طفل جميل ذهب لتلقي اللقاح، بعد أسبوع أصيب بحمى، وهو الآن مصاب بالتوحّد».
تصريحات حماسية، ولكن مشكوك فيها علمياً
وصف ترامب ارتفاع معدلات التوحّد، بأنه «من أخطر التحديات الصحية في التاريخ»، وأطلق نصائح مثيرة للجدل، من بينها تحذير النساء الحوامل من تناول الأسيتامينوفين (تايلينول)، بدعوى أنه قد يسبب التوحّد للجنين. كما أوصى الآباء بتأخير التطعيمات، وتقليل الجرعات، مخالفاً جداول التحصين المعتمدة، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.
ترامب: أعترف أنني لا أملك كل الحقائق
أقر ترامب بأن تصريحاته ذهبت أبعد من تصريحات وزير الصحة روبرت ف. كينيدي جونيور، ورئيس هيئة الغذاء والدواء د. مارتـي مكاري، اللذين قدما ملاحظات أكثر تحفظاً، ما دفع ترامب للاعتراف قائلاً إنه «لا يملك كل الحقائق».
البعد السياسي: تحالف مع روبرت كينيدي جونيور
أشار خبراء في واشنطن إلى أن موقف ترامب ليس فقط شخصياً، بل أيضاً سياسياً، إذ إن تحالفه مع روبرت ف. كينيدي جونيور، صاحب حملة «اجعلوا أمريكا صحية مجدداً» ساعده على كسب قاعدة انتخابية مؤثرة.
خبراء يصفون تصريحات ترامب حول «تايلينول والتوحّد» بالعبثية
أثارت تصريحات ترامب موجة انتقادات واسعة، بينما وصف الأطباء وخبراء الصحة هذه المزاعم بأنها غير علمية، وخطرة، محذّرين من تأثيرها المباشر في صحة الأمهات والأجنّة.
قال الجراح والمراسل الطبي لشبكة CNN، د. سانجاي غوبتا، إنه كان مذهولاً من سماع الرئيس يردّد «لا تتناولوا تايلينول» خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الصحة روبرت ف. كينيدي جونيور.
وأضاف: «الأمر في غاية الغرابة»، محذراً من أن الامتناع عن معالجة الحمى بأدوية الباراسيتامول، أثناء الحمل قد يزيد من خطر العيوب الخلقية والمضاعفات الخطرة.
الشركة المصنعة: لا علاقة علمية بين الدواء والتوحّد
نفت شركة «كيفينيو» المنتجة للدواء، بشكل قاطع تصريحات ترامب، مؤكدة في بيانها، أن العلوم المستقلة الواضحة تثبت أن الباراسيتامول (أسيتامينوفين) لا يسبّب التوحّد.
دعم من بعض مسؤولي إدارة ترامب
وفي المقابل، دافع مفوض FDA المعيّن من ترامب، مارتـي مكاري، عن الرئيس، قائلاً: «لدينا وباء توحّد يتفاقم بسرعة، وإذا كان هناك دليل على وجود علاقة، فلماذا نغامر بأطفالنا؟» كما أشاد د. محمد أوز، مدير برنامج «ميديكيد»، بترامب، معتبراً أن الرئيس تحرّك بشجاعة، ولم ينتظر.
دعوات إلى الشفافية وكشف الأدلة
دعا المسؤول السابق في مراكز مكافحة الأمراض د. ديميتري داسكالاكيس، وزير الصحة كينيدي، إلى إظهار البيانات والأدلة إذا كان يمتلكها فعلاً، مؤكداً أن غياب الشفافية يقوّض العلم، ويزيد من ارتباك الناس.
غضب داخل مجتمع التوحّد
اعتبرت الأسر التي لديها أطفال مصابون بالتوحّد تصريحات ترامب «إساءة وإقصاءً». وقالت فيكي هاكسمان من أونتاريو: «بدلاً من دعم العائلات، يبحثون عن شيء عشوائي لإلقاء اللوم عليه بلا أساس علمي»، بينما رأت راشيل سنيدر، والدة لطفل مصاب بتوحّد عميق أن «الكلام عن العلاج، أو المنع يجعل الناس يظنون أن أطفالنا بحاجة إلى تغيير جوهري بدلاً من دعمهم».
اتهامات تضع اللوم على الأمهات
قالت كاترين ليتانغ من جزيرة فانكوفر، وهي امرأة مصابة بالتوحّد، إن تصريحات ترامب «تضع اللوم على النساء والأمهات»، وتزيد من وصم التوحّد بدلاً من تحسين حياة المصابين.
العلم يؤكد: الجينات هي العامل الأبرز
أثبتت الأبحاث الممتدة لعقود، أن العوامل الوراثية تلعب الدور الأكبر في التوحّد، إلى جانب عوامل بيئية مثل الولادة المبكرة، أو التعرّض للتلوث.
أما الدراسات التي حاولت الربط بين التوحّد وتايلينول تم تفنيدها من الهيئات العلمية، التي وصفت الأدلة بأنها «ضعيفة، وغير كافية لتغيير الممارسات الطبية».