د. أيمن سمير

تسود حالة من«الشك وعدم اليقين» حول حقيقة ما يجري بين روسيا والجناح الشرقي في حلف دول شمال الأطلسي «الناتو»، حيث تتهم دول مثل بولندا وإستونيا ورومانيا وبلغاريا والدنمارك والنرويج، الجيش الروسي بإرسال طائرات مسيرة «درونز» إلى الأجواء الشرقية والشمالية في أوروبا وهو ما أدى إلى إغلاق العديد من المطارات الكبيرة مثل مطار كوبنهاجن الدولي وإسقاط المقاتلات البولندية والمقاتلات التابعة «للناتو» ثلاث مسيرات في الأجواء الشرقية من بولندا وفي الوقت الذي وصفت فيه أجهزة المخابرات الدنماركية من يقف وراء إرسال هذه المسيرات بأنها «جهة محترفة» ذهبت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريديريكسن أبعد من ذلك واتهمت روسيا مباشرة بأنها الطرف الذي يهدد أوروبا بهذه المسيرات وزاد الأمر تعقيداً عندما وافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إسقاط هذه المسيرات ودعمه في هذا الموقف الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته.

هنا بدأ الحديث عن بناء ما يسمى ب«جدار المسيرات» بهدف حماية المدن والمطارات الأوروبية من هذه المسيرات بعد موافقة مفوض الدفاع بالاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس على توفير الدعم المالي لبناء «الجدار الجديد» بهدف حماية أوروبا من خطورة هذه المسيرات التي حلَّقت فوق أكبر قاعدة عسكرية دنماركية وهي «قاعدة كاراب» وسوف يشمل هذا «الجدار» شبكة متكاملة من الرادارات وأجهزة الاستشعار المتطورة وقدرات كبيرة لاعتراض وتدمير الطائرات المعادية ومشاركة استخبارية على أعلى مستوى بين الأوروبيين والولايات المتحدة الأمريكية.

على الجانب الآخر تنفي روسيا أي خرق جوي لأجواء الدول الأوروبية، وتقول: إن الطيارين الروس ينفذون القانون الجوي باحتراف دون أي تهديد للدول الأخرى وقالت: إن الطائرات التي تتهمها إستونيا باختراق المجال الجوي الإستوني كانت تطير فوق المياه الدولية وفي طريقها من كاريليا إلى منطقة كالينينجراد الروسية على بحر البلطيق وتنظر موسكو إلى التصعيد السياسي والعسكري والإعلامي من جانب الأوروبيين بأنه يساعد فقط الحكومات الأوروبية في حل مشاكلها الداخلية، وإقناع الرأي العام الأوروبي بشرعية وحتمية استمرار الدعم الأوروبي للحرب في أوكرانيا وتبرير خفض المزايا الاجتماعية التي تقدمها الحكومات للمواطن الأوروبي وإعادة توزيع الأموال على الاحتياجات العسكرية الأوروبية وتمويل نشر الصواريخ الأمريكية في ألمانيا بما فيها صواريخ توماهوك التي تستطيع أن تصل إلى الأراضي الروسية

ورغم أن مشروع «جدار المسيرات» يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة التهديدات الجوية غير التقليدية، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات تقنية ولوجستية قد تحول دون تطبيقه بشكل كامل وبنسبة 100% في المدى القريب، فالدفاع عن منشأة صغيرة مثل مطار أو قرية ضد أنواع الطائرات المسيرة المختلفة هو مهمة صعبة، سواء كانت المسيرات هجومية كالتي يجري استخدامها في أوكرانيا، أو «المسيرات التكتيكية» التي تعمل وفق حسابات الذكاء الاصطناعي وبالرغم من الطابع الدفاعي ل«جدار المسيرات» إلا أنه قد يفتح الباب أمام «سباق تسلح جديد» في أوروبا، وهو ما يحوِّل «جدار المسيرات» إلى ساحة حرب جديدة بين موسكو والغرب، فالحديث الألماني البريطاني الفرنسي لا ينقطع عن الاستعداد لحرب طويلة مع روسيا والمطالبات لا تتوقف بالاستعداد للحرب التي باتت على الأبواب، فما هي «الأدوات» التي يمكن أن تساعد في بناء «جدار المسيرات» على الجناح الشرقي لحلف «الناتو» وهل يمكن لهذا الجدار أن ينجح في تغطية كل الأراضي الأوروبية؟ وماذا عن التمويل والخلافات الأوروبية في ظل اعتقاد البعض في غرب القارة الأوروبية أن الأمر لا يعنيهم ويعني فقط دول وسكان «الجناح الشرقي» من «الناتو»؟

بيئة عسكرية جديدة

منذ الأيام الأولى للحرب الروسية الأوكرانية كانت تقترب المسيرات الروسية من الحدود الشرقية لبولندا خصوصاً عندما يكون هدف الهجوم الروسي مدينة لفيف غرب أوكرانيا وكانت بولندا تتعامل مع الأمر من خلال تفعيل منظومات الدفاع الجوي، والدفع بالمقاتلات البولندية إلى الأجواء الشرقية من بولندا، لكن في الآونة الأخيرة زاد رصد «المسيرات» في دول الجناح الشرقي من حلف «الناتو» التي تضم دول بحر البلطيق الثلاث إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بالإضافة إلى بولندا وبلغاريا ورومانيا، لكن الأمر تطور ليذهب إلى شمال أوروبا والدول الإسكندنافية عندما رصدت وزارات الداخلية والمخابرات في الدنمارك والنرويج هذه «المسيرات» فوق مدنها ومطاراتها المدنية والعسكرية وهو ما يقول: إننا أمام «بيئة عسكرية جديدة» وتوسع لمساحة وحدود المواجهة بين روسيا وحلف «الناتو»، ولهذا تسعى الدول في شرق وشمال أوروبا إلى بناء نظام دفاع جوي متعدد الطبقات يضم رادارات وكاميرات وكاشفات ترددات وأنظمة دفاع جوي قادرة على تعطيل أو إسقاط «أسراب المسيرات، فالوسائل الدفاعية «التقليدية»، لم تعد كافية، لذلك هناك اتفاق على ضرورة تطوير القدرات الدفاعية والهجومية الأوروبية وفي ظل حالة الاستنفار وإغلاق المطارات تحت ضغط المسيرات المجهولة فإن الحسابات الأوروبية بدأت تتغير بالكامل وصار الخطاب الأوروبي وكأننا في أتون حرب اندلعت بالفعل ولهذا يعمل الأوروبيون على مجموعة من المسارات لصد ووقف هذه المسيرات وهذه المسارات هي:

أولاً: إيرشيلد

وهو نظام دفاع جوي يعتمد على الذكاء الصناعي يسمى «إيرشيلد» ويعمل على تحديد الطائرات المسيرة من جميع الأنواع والأحجام ومن ثم تحديد شكل الاستجابة الدفاعية الخاصة بهذه المسيرة أو تلك، بمعنى هل يتم إسقاط الهدف بوسائل دفاعية ذات مدى منخفض أو متوسط أو مرتفع، مما يعني أن «إيرشيلد» سوف يعمل بشكل آلي بالكامل ويعمل القادة الأوروبيون على تسريع إدخال نظام الدفاع الجوي «بالليزر» إلى «إيرشيلد» نظراً لأن الدفاع بالليزر قادر على التعامل مع أسراب من الطائرات المسيرة في وقت واحد وبكلفة زهيده حيث يمكن إسقاط الطائرة المسيرة بشعاع ليزر لا تزيد كلفته على 10 يوروهات، بينما صاروخ باتروت بنحو 3 ملايين يورو ومنظومة الباتريوت وحدها تكلف نحو مليار يورو.

ثانياً: حارس البلطيق

ينظر القادة الأوروبيون إلى بحر البلطيق باعتباره جبهة رئيسية في الصراع مع روسيا وتأمين جبهة البلطيق من شأنه أن يعزز حماية كل الجناح الشرقي ل«الناتو» ولهذا أطلق الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع حلف «الناتو» في يناير الماضي مشروع «حارس البلطيق»، لحماية دول البلطيق التي لها حدود برية أو بحرية مباشرة مع روسيا مثل دول بحر البلطيق الثلاث «ليتوانيا، لاتفيا، إستونيا» وبولندا وألمانيا والسويد وفنلندا والدنمارك ومع وصول المسيرات المعادية خلال الأسابيع الماضية إلى الأجواء الأوروبية بدأ حلف «الناتو» في نشر فرقاطات وطائرات استطلاع و«وحدات بحرية مسيرة» بهدف تعزيز الأصول العسكرية الجديدة ل«حارس البلطيق»، كما يستعد «الناتو» لعمل سلسلة من المناورات العسكرية في بحر البلطيق لاختبار الجاهزية القتالية للأطلسي.

ثالثاً: 700 طائرة شبحية

تسلَّمت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف «الناتو» نحو 200 طائرة عسكرية أمريكية شبحية من طرازات «إف 15 وإف 16 وإف 22 رابتور وإف 35» وهناك تعاقدات بالفعل على نحو 500 طائرة شبحية أمريكية أخرى سوف يتم تسليمها قبل 2035، ناهيك عن العمل على تصنيع نحو 2000 طائرة عسكرية من الطرازات الأوروبية المختلفة والهدف من كل ذلك تعزيز القدرة العسكرية الجوية لدول حلف «الناتو»، ناهيك عن خطط للتحديث طائرات «تورنيدو» الأوروبية ودمج طائرات «جلوبال أي» للإنذر المبكر من إنتاج شركة ساب السويدية في المنظومة الجوية الأوروبية لجمع المعلومات عن الأصول العسكرية الروسية في الجزء الغربي من روسيا خصوصاً تلك الأصول والقواعد العسكرية والصواريخ المنتشرة في جيب كالينينجراد على بحر البلطيق.

رابعاً «سكاي شيلد»:

بدأت الدول الأوروبية الخطوات العملية لبناء منطومة سكاي شيلد أو «درع السماء» وهي رؤية بدأت من ألمانيا وانضمت إليها نحو 22 دولة أوروبية بما فيها الدول المحايدة مثل النمسا وسويسرا والهدف منها بناء حائط صلب من الدفاع الجوي بأربع طبقات، المدى المنخفض بتغطيته بصواريخ ألمانية من طراز «أريس-تي إل أم» الذي يبلغ مداه نحو 50 كلم ومنظومات «باتريوت» الأمريكية لمواجهة الأهداف المعادية على مدى متوسط من 100 إلى 200 كلم، بينما الأهداف على مدى بعيد يجري التفكير في منظومات «ثاد الأمريكية» أو«أرو» الإسرائيلية، ناهيك عن العمل مع الجيش الأمريكي لمنع أي مركبات عسكرية انزلاقية روسية قد تأت من الفضاء.

خامساً: الورقة النووية

يعتبر الأوروبيون في الطائرات المسيرة القادمة من الشرق البداية فقط لحرب يمكن أن تشمل كل أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة النووية ولهذا جرى اتخاذ عدد من الخطوات منها نشر فرنسا -التي تملك نحو 280 رأساً نووياً- مزيد من الرؤوس النووية في قاعدة لوكسيل الجوية على الحدود الألمانية، ووضع خطط لنشر مزيد من طائرات الرافال الحديثة «رافال 5» التي تستطيع أن تحمل رؤوساً نووية بهدف الرد على أي هجوم نووي روسي وفق ما يتحدث به المسؤولون الفرنسيون، وفي مقدمتهم الرئيس إيمانويل ماكرون الذي أعلن بالتعاون مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستامر تفعيل ورقة الأسلحة النووية الأوروبية «الفرنسية والبريطانية» في وجه روسيا حيث تملك بريطانيا نحو 225 رأساً نووياً.

سادساً: الخطة العملياتية

وفق التقديرات الأوروبية وخاصة الألمانية منها فإن إرسال المسيرات الروسية والهجمات السيبرانية الروسية على الأصول العسكرية الألمانية وفق تصريح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في شهر مارس الماضي، يستدعي من ألمانيا أن تكون جاهزة لحرب شاملة وطويلة مع روسيا بحلول عام 2029 ولهذا وضعت برلين ما يسمى «الخطة العملياتية» التي كشفت عنها صحيفة «فرانكفورتر ألماينه تسايتونج» والمتحدث باسم وزارة الدفاع ميتكو مولر وتحدد الخطوات التي تقوم بها ألمانيا من أجل نقل نحو 50 ألف جندي من الغرب إلى دول الجناح الشرقي في «حلف الناتو» وتشرح هذه الخطة التي تقع في 1100 صفحة، كيف تقوم ألمانيا بنقل الجنود والذخائر والمواد اللوجستية الأخرى إلى دول المواجهة في الشرق والأكثر إثارة في الأمر أنه بدأ التدريب على هذه الخطة بالفعل في ألمانيا، كذلك تهدف ألمانيا إلى زيادة عدد الجيش الألماني في الوقت الحالي من 200 ألف جندي إلى 430 ألف جندي.

سابعاً: الوثيقة السرية

في أقصى غرب أوروبا تستعد بريطانيا أيضاً التي ليس لها حدود مباشرة مع روسيا لما تسميه ب(الهجوم الروسي) على الأراضي البريطانية ويأتي هذا التخوف وفق الخطة السرية البريطانية من قدرة الصواريخ الروسية الجديدة على اختراق الدفاعات الجوية البريطانية وأن روسيا تستطيع بالفعل -حسب هذه الرواية- تجاوز الدفاعات البريطانية وهذه الخطة تتفق مع ما يسمى ب«كتاب الحرب» وهو الذي يوضح كيفية رد بريطانيا على أي هجوم روسي سواء بالأسلحة التقليدية أو بالقنابل النووية وتشرح هذه الخطة بالتفاصيل كيفية عمل رئيس الحكومة والوزراء تحت الأنفاق زمن الحرب وكيف يمكن للمواطنين العمل والإنتاج تحت القصف.

ثامناً: استراتيجية ال(خمس دقائق)

في إطار تشجيع حلف (الناتو) جميع الدول الأعضاء على المساهمة في الدفاع عن دول الجناح الشرقي يتبني مارك روته الأمين العام لحلف (الناتو) مقاربة تقول: إنه لا توجد دولة بعيده عن الخطر الروسي ولهذا قال: إن الصواريخ الروسية سريعة جداً، وتستطيع أن تصل إلى أي مدينة في غرب أوروبا خلال 5 دقائق فقط ولهذا لا يجب أن تعتبر دولة أوروبية نفسها بعيده عن مرمى التهديد الروسي ووجد هذا التحذير استجابة كبيرة من دول في غرب أوروبا مثل بريطانيا وفرنسا وهولندا والنرويج التي باتت تشارك بقوة في الدفاع عن الجناح الشرقي للحلف وخلال الأيام الماضية تقاطر وزراء الدفاع من وسط أوروبا وغربها لزيارة القواعد العسكرية في الجناح الشرقي للحلف الأطلسي خاصة في بولندا ورومانيا ودول البلطيق من أجل تأكيد مشاركتهم ودعمهم لدول الجناح الشرقي للحلف.

المؤكد أنه لا يمكن بناء منظومة دفاعية حتى لو كانت متعددة المستويات تغطي كامل الحدود الأوروبية ضد الصواريخ والمسيرات وتكون النتيجة 100%، فالتجارب في الحرب الروسية الأوكرانية كشف وصول المسيرات إلى كييف وموسكو وهو ما يدعو للتفكير الجدي في الخيار الآخر، وهو خيار التعاون والمشاركة مع روسيا عبر حل النزاع سلمياً في أوكرانيا والاتفاق على مشروع للأمن الأوروبي تكون روسيا جزء منه كما كانت طوال 600 عام قبل الحرب العالمية الثانية وهو ما يتيح لأوروبا أن تعود من جديد للتركيز على الخدمات الصحية والاجتماعية التي ظلت تتميز بها طوال عقود طويله بعد نبذ الحرب مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

[email protected]