د. أيمن سمير

على مدار أكثر من قرنين من الزمان كان الشد والجذب هما «العنوان الكبير» لوصف علاقة البيت الأبيض بدول أمريكا الجنوبية والكاريبي، فالآباء المؤسسون للولايات المتحدة، كانوا يعتقدون أن الله يحمي الولايات المتحدة بأكبر محيطين في العالم، المحيط الأطلسي شرقاً، والمحيط الهادئ غرباً، وبهذا لا تحتاج إلى الانخراط في حروب أو صراعات القوى الأوروبية، سواء خارج الأمريكتين أو في «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة، والتي تتمثل في دول أمريكا الجنوبية والكاريبي، والتي كانت حتى ذلك الوقت واقعة تحت الاحتلال الإسباني والبرتغالي والفرنسي والبريطاني.

ظل هذا الوضع كذلك حتى جاء الرئيس الأمريكي جيمس مونرو الذي وضع ما سمي ب«مبدأ مونرو» في 2 ديسمبر 1823، والذي يقوم على أن أمريكا الجنوبية والكاريبي ينبغي أن تكون منطقة نفوذ حصري للولايات المتحدة، ويمنع على القوى الأوروبية أن تمارس نفوذها أو حروبها في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.

وبعد مرور نحو 200 عام على «مبدأ مونرو» عادت العلاقات بين الولايات المتحدة وأقرب جيرانها في أمريكا اللاتينية والكاريبي إلى الخلافات والصراعات من جديد، لكن هذه المرة جاءت روسيا والصين من بعيد لتنافس الولايات المتحدة على ما تراه واشنطن بأنها مصالح حصرية لها، ولهذا بدأت الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب بدعوته العلنية لاستعادة «قناة بنما» بالقوة المسلحة، وأجبر الحكومة البنمية على الانسحاب من المبادرة الصينية «الحزام والطريق»، وضغط على بنما حتى قامت بإلغاء كل الاتفاقيات مع الشركات الصينية التي كانت تعمل على طرفي قناة بنما من الشرق إلى الغرب، ولم يقتصر الأمر على بنما، حيث زادت واشنطن عقوباتها على كوبا التي جاءت منها عائلة وزير الخارجية مارك روبيو، وكذلك زاد الضغط الأمريكي على نيكاراغوا، وفرض البيت الأبيض رسوماً جمركية قاسية على البرازيل أكبر دولة وأكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية.

لكن أخطر ما يجري بين واشنطن وجيرانها في الجنوب هو إرسال «البنتاغون» نحو 5000 جندي أمريكي إلى بورتريكو، والعشرات من الطائرات الشبحية من الجيل الخامس «إف-35» بالقرب من ساحل فنزويلا، وتوجيه أكثر من 13 ضربة ضد قوارب تزعم واشنطن أنها تحمل المخدرات، ومدعومة من دائرة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بينما تؤكد كاراكاس أن هدف الرئيس ترامب هو «إسقاط النظام السياسي» في فنزويلا، خصوصاً بعد التسريبات التي نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، وقالت فيها إن الرئيس ترامب أطلق يد المخابرات الأمريكية للعمل في فنزويلا، وهو ما أعاد الأذهان إلى «عملية النمس» التي قامت بها المخابرات الأمريكية في عامي 1961 و1962، وكانت تهدف إلى إسقاط حكم الزعيم الكوبي فيدل كاسترو بيد معارضيين كوبيين.

فهل تخسر الولايات المتحدة «حديقتها الخلفية» بسبب الخلافات بين الرئيس ترامب وحكام دول أمريكية الجنوبية والكاريبي؟ وما هو دور الصين وروسيا في خلق «بدائل سياسية وعسكرية وأمنية» أمام شعوب أمريكا اللاتينية حتى تبتعد هذه الدول عن واشنطن؟ وما هي «القيمة المضافة» التي تقدمها كل من موسكو وبكين لدول الكاريبي وأمريكا اللاتينية، وتعجز واشنطن عن تقديمها لهذه الدول؟

ثلاثية المغارم

على مدى عشرات السنوات، عجزت واشنطن عن إيجاد مقاربة تكسب بها قلوب وعقول شعوب أمريكا الجنوبية والكاريبي، خصوصاً مع الغزو الأمريكي لهايتي مرتين الأولى عام 1915، والثانية عام 1994، وحصار كوبا التي تبعد 90 ميلاً فقط من منتجع الرئيس ترامب في ولاية فلوريدا منذ ستينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ورفض الولايات المتحدة الاعتراف بشرعية عدد من حكام أمريكا الجنوبية، مثل حكام نيكارغوا وفنزويلا، حيث يعتبر وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادور رئيساً «غير شرعي» منذ الانتخابات الأخيرة التي جرت في يوليو 2024، وحاولت واشنطن أكثر من مرة استبداله بزعيم من زعماء المعارضة كان أبرزهم خوان جوايدو المقرب من الرئيس ترامب، بل أعلنت واشنطن 50 مليون دولار لكل من يقدم معلومات تؤدي إلى القبض على الرئيس مادورو الذي جاء بعد الرئيس هوغو شافيز وحكم فنزويلا في الفترة من 1998 حتى مارس/آذار 2013، ورفع خلالها «راية التحدي» في وجه البيت الأبيض، عندما قام بتأميم شركات النفط الأمريكية في فنزويلا، وطرد البعثة العسكرية الأمريكية من كاراكاس. وبسبب كل ذلك ترى واشنطن أن هناك فقط «ثلاثية المغارم» التي تأتي لها من أمريكا الجنوبية وهي «المخدرات، والهجرة غير الشرعية، والنفوذ العسكري والاقتصادي لروسيا والصين»، ورغم أن الجيش الأمريكي ينشر عشرات القواعد العسكرية بالقرب من الأراضي الصينية والروسية في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، وفي شرق أوروبا ودول بحر البلطيق، إلا أن البيت الأبيض يعتقد أن أي وجود عسكري روسي أو صيني في «حديقته الخلفية» يشكل خطراً مباشراً على الأراضي الأمريكية.

أسباب الخلافات

أولاً - اليسار

بعيداً عن الخلافات المستمرة منذ عشرات السنين بين الولايات المتحدة ودول الكاريبي وأمريكا الجنوبية تظل خلافات الرئيس دونالد ترامب مع دول أمريكا الجنوبية من نوع خاص، حيث يهاجم الرئيس الأمريكي الدول التي يحكمها قادة ينتمون لليسار أو الشيوعية، كما يحب البيت الأبيض أن يصف به رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، ورئيس تشيلي غابرييل بورك، ورئيس أورغواي يامندو أورسي، والرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل. وهذا العداء من البيت الأبيض «للحكام اليساريين» في أمريكا الجنوبية هو امتداد للعداء السياسي بين الرئيس ترامب والحزب الجمهوري مع اليسار الأمريكي ممثلاً في الحزب الديمقراطي.

ويراهن ترامب على أن الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري على الدول التي يحكمها اليسار يمكن أن يوجه الناخبين في أمريكا الجنوبية إلى اختيار أحزاب محافظة أو من يمين الوسط بدلاً من الأحزاب اليسارية. وخلال الشهور العشرة المقبلة سوف تجرى 7 انتخابات برلمانية ورئاسية في أمريكا الجنوبية، ويأمل ترامب من خلال تشديد الضغط على كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا أن يقود هذا الضغط إلى انتخاب حكام من اليمين، ويمين الوسط، وقد أثمرت الضغوط الأمريكية انتخاب رودريغو باز، وهو من يمين الوسط، رئيساً جديداً لبوليفيا بدلاً من الرئيس اليساري لويس آرسي، وفور فوز باز تلقى التهنئة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخارجية مارك روبيو الذي كان ينتقد بوليفيا دائماً منذ عهد الرئيس اليساري الأسبق أيفو موراليس الذي قطع العلاقات مع واشنطن، وقام بتأميم شركات النفط، وعمق علاقاته مع روسيا والصين والدول اليسارية في أمريكا الجنوبية.

وبينما تشدد الولايات المتحدة قبضتها على الدول والأنظمة اليسارية في أمريكا الجنوبية تقدم الدعم والمساعدة للأحزاب اليمينية والمحافظة، كما هي الحال في الأرجنتين، حيث يدعم الرئيس ترامب صديقه خافير مايلي، ووقع وزير المالية الأمريكي سكوت بيسنت اتفاقية بقيمة 20 مليار دولار لمبادلة الديون مع الأرجنتين، لكل هذا تعتبر بلدان أمريكا الجنوبية، أن هذه السياسات الأمريكية تنطوي على التدخل في شؤونها الداخلية.

ثانياً - عسكرة الخلافات

بينما يقدم الرئيس ترامب نفسه للعالم باعتباره «رئيساً للسلام»، ويسعى لوقف الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، لكنه في الوقت نفسه لا يتسامح مع أي خلافات تتعلق بالدول في أمريكا الجنوبية، حيث أرسلت واشنطن الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية إلى سواحل فنزويلا، وهدد باستعادة قناة بنما بالقوة العسكرية ما لم تتوقف الحكومة البنمية عن التعاون مع الصين، ويهدد البيت الأبيض ليلاً نهاراً باستخدام القوة ضد ما يسميهم تجار المخدرات في أكثر من دولة في أمريكا الجنوبية، وهو أمر تراه تلك الدول مقدمة لزعزعة الاستقرار وإسقاط الأنظمة. وهناك اتفاق بين التحالف المناهض للبيت الأبيض في أمريكا الجنوبية بأن الرئيس ترامب ينفذ فلسفته «الدبلوماسية القائمة على القوة» في دول الكاريبي وأمريكا الجنوبية، ويعتبرون التعامل مع كوبا وفنزويلا ونيكارغوا وبوليفيا خير شاهد على سعي البيت الأبيض إلى «عسكرة الخلافات»، وليس السعي لحلها سياسياً ودبلوماسياً.

ثالثاً - المهاجرون والرجل الأبيض

يرى الرئيس ترامب ومجموعة المحافظين التي كتبت «رؤية 2025» في مؤسسة هيرتاج القريبة من الحزب الجمهوري، أن خطورة الهجرة غير الشرعية القادمة من الكاريبي وأمريكا الجنوبية لا تتوقف عن زيادة نسب البطالة والجريمة وتهريب المخدرات، بل لأنها تهدد مكاسب الرجل الأبيض، والتي حصل عليها منذ 249 عاماً من الاستقلال، ويعتبرون أن تساهل الديمقراطيين أسهم في دخول نحو 22 مليون مهاجر في ولايتي باراك أوباما وولاية جو بايدن، وأن أفضل وسيلة للحفاظ على النسيج الأبيض للولايات المتحدة هو منع المهاجرين من أصول لاتينية من الوصول إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل الإحصائيات التي تقول إن الأغلبية الساحقة من هؤلاء يصوتون لصالح الحزب الديمقراطي. وترى سياسيات البيت الأبيض، أن حدود البلاد الجنوبية ليس عند المكسيك، بل عند جميع دول الكاريبي وأمريكا الجنوبية التي ترسل مهاجرين غير شرعيين إلى الولايات المتحدة، ولهذا يفرض الرئيس ترامب عقوبات صارمة على أي دول في أمريكا الجنوبية ترفض استقبال الطائرات الأمريكية التي تحمل مهاجرين غير شرعيين، ويراهن على أن هذه الضغوط سوف تدفع دول أمريكا الجنوبية والكاريبي لعدم إرسال المخدرات والمهاجرين غير الشرعيين إلى بلاده.

رابعاً - البديل الصيني والروسي

تقوم الحسابات الأمريكية على أن الضغوط العسكرية والسياسية على دول أمريكا الجنوبية والكاريبي سوف تدفع هذه الدول للابتعاد عن الصين وروسيا، لكن واقع الحال يقول غير ذلك، حيث تقاربت المصالح بقوة بين الصين وروسيا مع دول أمريكا اللاتينية منذ عودة ترامب للبيت الأبيض في 20 يناير الماضي، وهناك مؤشرات كثيرة على التقارب الروسي الصيني مع هذه الدول، ومنها:

1 - طفرة قياسية

زادت التجارة بين الصين و33 دولة في أمريكا الجنوبية والكاريبي إلى نحو 500 مليار دولار عام 2024، ويتوقع أن تصل إلى 700 مليار عام 2030، وتستفيد الصين من هذه الدول في استيراد المواد الغذائية، حيث تنتج دول الكاريبي وأمريكا الجنوبية الغذاء لنحو 800 مليون مستهلك حول العالم بنسبة تصل لنحو 15% من إنتاج الغذاء العالمي، وينتظر علاقة الصين بهذه الدول مستقبلاً كبيراً في مجال التكنولوجيا الجديدة، والذكاء الصناعي، نظراً لأن هذه الدول لديها احتياطيات ضخمة من الليثيوم في جبال الإنديز في الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، والتي تشكل نحو 50% من الاحتياطي العالمي لليثيوم الذي هو عصب صناعات الهواتف والأقمار الصناعية والسيارات الكهربائية.

2 - التكافؤ

في الوقت الذي تتدخل فيه الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لدول أمريكا الجنوبية، تتعامل الصين وروسيا مع هذه الدول من منظور تساوي السيادة، ودون أي شروط سياسية، ووفق مبادئ راسخة في التعامل بين الدول، مثل الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، ولهذا هناك تقارب غير مسبوق بين دول أمريكا الجنوبية والصين وروسيا، إذ تعج المؤسسات التعليمية والأكاديمية الصينية والروسية بالمتدربين من دول أمريكا الجنوبية، وهو ما يخلق «طبقة سياسية وعسكرية واقتصادية» قريبة من السياسات الصينية والروسية على حساب النخبة التي ترتبط بأمريكا أو حتى أوروبا مثل إسبانيا والبرتغال.

3 - البديل الاستراتيجي

توفر الصين وروسيا «البديل الاستراتيجي» عن الولايات المتحدة لدول أمريكا الجنوبية، ففي مقابل الرسوم الجمركية الأمريكية، والصرامة الشديدة في تصدير التكنولوجيا الأمريكية إلى أمريكا اللاتينية، وما يسببه ذلك من فوضى، تقدم روسيا والصين «بديل الاستقرار» القائم على عدم وجود رسوم جمركية باهظة، والاتفاق على معايير التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، بما يعود بالنفع على طرفي المعادلة، وهي مقاربة باتت مقبولة من دول أمريكا الجنوبية التي ترفض فوضى الرسوم الجمركية الأمريكية، وتسعى للتحرر من وطأة المطالب الأمريكية حول المعايير والضوابط الغربية التي ترفضها الكثير من دول أمريكا الجنوبية.

الواضح أن الفجوة تتسع بين الولايات المتحدة وأقرب جيرانها في الكاريبي وأمريكا الجنوبية، وهو ما يقدم فرصة تاريخية للصين وروسيا لبناء شراكات استراتيجية غير مسبوقة مع هذه الدول.

[email protected]