في ضوء صدور مذكراته الجديدة «تحت الحصار: كفاح عائلتي لإنقاذ أمتنا»، يتحدث إريك ترامب، الابن الثاني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتفصيل صريح عن اللحظة المروّعة التي تعرض فيها والده لمحاولة اغتيال، وعن نشأته غير التقليدية، وتأثير العداء السياسي في العائلة، وإمكانية خوضه المعترك السياسي شخصياً في المستقبل.

نشأة غير تقليدية بين البرج والقصْر

يكشف إريك عن تفاصيل طفولته الفريدة بين برج ترامب في مانهاتن ومنتجع مار-أ-لاغو الفاخر في فلوريدا، حيث لم تكن نشأته تقليدية، فبدلاً من ألعاب الأطفال المعتادة، كان يسافر على مروحيات إلى أتلانتيك سيتي برفقة نجوم مثل مايكل جاكسون. لكن إريك يرفض الصورة النمطية لوالده كأب غائب، مؤكداً أنه رغم انشغاله ببناء إمبراطوريته، كان حاضراً بشكل غير مسبوق، ويقول إريك على سبيل المثال إنه كان يلعب بألعابه على أرضية غرفة الاجتماعات، وكان والده يرد على مكالماته دائماً، حتى لو كان مع أمير ويلز آنذاك.

عامل بناء بأجر زهيد

لكن هذه النشأة لم تخلُ من الصرامة، فيعترف إيرك ترامب بأن والده أرسله للعمل في مواقع البناء، بدءاً من سن الحادية عشرة مقابل أجر زهيد، حيث كان يسكب الخرسانة، ويعمل بالمنشار الآلي. ويرى أن هذا علمه «قيمة الدولار» وحماه من الانغماس في حياة الترف التي أضرت ببعض أقرانه. كما ورث عن والده شكوكه العميقة، حيث كان يوصيه كل صباح: «ممنوع الشرب، ممنوع التدخين، ممنوع المخدرات. وتذكر، لا تثق بأحد».

ومن بين ما يتذكره بحسب صحيفة تليغراف، عن سنوات الصبا مع شقيقته إيفانكا، أنها كانت تحمّله دوماً ما ترتكبه من أخطاء، ويتذكر أنها عندما كسرت «ثريا» تاريخية لا تقدر بثمن بكرة، وجهت له الذنب.

وولد إريك فريدريك ترامب، في مدينة نيويورك في 6 يناير/كانون الثاني 1984 لوالديه دونالد وإيفانا، عارضة أزياء وسيدة أعمال من تشيكوسلوفاكيا، ونشأ مع شقيقه دونالد الابن وشقيقته إيفانكا، اللذين انضمت إليهما لاحقاً تيفاني من زواج ترامب الثاني من مارلا مابلز، ثم بارون، ابن ميلانيا.

ويقول عن عمله في مجال البناء خلال فترة طفولته، إنه لاحظ والده ترامب خلال هذه الفترة يتحدث مع كهربائيين أو نجارين، بدلاً من مديرين يُملون عليك ما تريد سماعه، كما يُفوّض المهام للموهوبين.

وعن هذه الميزة بعد دخوله البيت الأبيض، يقول إن والده في عامه الأول كرئيس، كان الجنرالات يتصلون به في منتصف الليل لطلب إذنه باستهداف مشتبه به، وهو بروتوكول أرساه الرئيس الأسبق باراك أوباما. وكان يسألهم ببساطة، «مهلاً، أين درستم؟.. وكان الجنرالات يردّون ويست بوينت أو الأكاديمية البحرية»، ليرد ترامب قائلاً: «رجل ذكي جداً.. إذا اتصلتَ بي وقدمتَ لي توصية فلن أرفضك. اذهب وتولى أمرك. أنا أدعمك».

العلاقة الأسرية: بين الحب الصارم والخسائر المؤلمة

يتطرق إريك بصراحة إلى شخصية والدته، إيفانا ترامب، التي يصفها بأنها مزيج من «كلوديا شيفر وليندسي لوهان»، ويقول إنها كانت قوية ومنضبطة، حتى إنها رفضت حضور حفل تخرجه من الثانوية؛ لأنه تزامن مع سباق موناكو، قائلة له: «كل أحمق يتخرج من المدرسة الثانوية». ويكشف أنها كانت تضربه وأشقائه ضرباً «مبرحاً» ومتكرراً، معتبراً أن هذا الأسلوب التربوي «نجح تماماً» في تشكيل شخصيتهم، رغم الانتقادات التي توجه لهذا الأسلوب.

ويكشف أنه كان من وجد جثة والدته إيفانا أولاً بعد سقوطها من على الدرج في منزلها عام 2022، وهو الذي تولى مهمة تنظيف الدماء بنفسه، معتبراً ذلك «مسؤولية الابن في نهاية المطاف». كما يتذكر المآسي العائلية الأخرى، مثل وفاة عمه فريد ترامب بسبب إدمان الكحول، وهي التجربة التي أثرت بعمق في نظرة والده للمخدرات.

ورغم سخرية منتقديه منه ووصفه بـ«الابن المدلل»، يقول إريك إنه تولى زمام إدارة مؤسسة ترامب لتخفيف الضغط عن والده. وقد استُدعي 112 مرة، وهو «أكبر عدد في التاريخ الأمريكي»، على حد قوله.

ويستشهد إريك بتصريحات لمنافسة والده في الانتخابات الرئاسية عام 2016 هيلاري كلينتون، فخلال مناظرة، طُلب منهما أن يبديا إعجابهما ببعضهما، فردت هيلاري: «أحترم أطفاله.. هم بارعون ومخلصون للغاية، وأعتقد أن هذا يُظهر الكثير عن دونالد». وتضيف: «مخلصون، ذوو توجه عائلي، ما قد يوحي بأن دونالد شخصية أكثر رزانة مما تظهر صورته العامة.. ويتساءل المرء إن كان قد كوّن ليس فقط مجلس إدارة، بل سلالة حاكمة».

محاولة اغتيال ترامب.. مشاهدات من قلب الحدث

في 13 يوليو/تموز 2024، يقول إريك إنه كان يشاهد تجمع والده في بتلر، بولاية بنسلفانيا، عبر التلفاز بينما كان أطفاله الصغار على ركبته. وفي تمام الساعة 6:11 مساءً بالتوقيت المحلي، سمع صوت طلقات نارية. ويكشف إريك، الذي يصف نفسه بمحب لرياضة الرماية: «سمعتُ صوت الطلقات.. عرفتُ فوراً مصدر ذلك الصوت».

ويمضي متذكراً: «قفزت نحو الشاشة محاولاً رؤية ما إذا كان والدي مصاباً، ورأيت الدماء على وجهه ويديه. كنت أعرف كل أفراد الخدمة السرية على المسرح، وشاهدتهم وهم يندفعون لحماية الشخص الذي أحبه أكثر من أي شخص آخر». ويصف شعوره بالعجز في تلك اللحظة، مشيراً إلى أن أصحاب الشخصيات القوية مثل شخصيته لا يحبون هذا الشعور.

ويضيف: «عندما استدار والدي في اللحظة الأخيرة، شعرت أن الله هم من حماه»، مؤكداً أن هذه التجربة قربته جداً من الله، ودعمت توجهاته نحو السلام في غزة وغيرها من المناطق الأخرى المشتعل في العالم».

تحمل عبء العائلة في مواجهة «المؤامرة»

وعلى حد وصفه، يقول إريك إنه برز «كرجل التنظيف» في العائلة، حيث يتعامل مع الأزمات بهدوء ليحمي الآخرين. وتولى قيادة مؤسسة ترامب عندما دخل والده البيت الأبيض في عام 2017. وهو يرى أن العائلة تواجه حرباً شاملة من خصوم سياسيين و«مؤامرة يسارية واسعة النطاق» تشمل بيروقراطيين ومصرفيين ومؤسسات إعلامية. ويعتقد أن هذه القوى حاولت «إفلاسهم، سلب صوتهم، تقييدهم»، بل وتصفية والده.

ويرفض إريك الاتهامات الموجهة لوالده بالعنصرية أو التمييز، مستشهداً بأن حملته شهدت أكبر إقبال للأمريكيين من أصل إفريقي لمرشح جمهوري. كما يشكك في الرواية الرسمية لمحاولة الاغتيال، مستبعداً أن يتمكن قناص من إطلاق النار من على بعد 130 ياردة ويخطئ، ويلقي باللوم على خطاب الكراهية من بعض الجهات السياسية.

هجوم على هانتر بايدن

ويشن إريك هجوماً لاذعاً هانتر نجل الرئيس السابق جو بايدن، لدرجة أنه يعتبر أن أسوأ كلمتين في اللغة الإنجليزية بالنسبة له هما «هانتر بايدن». كما يتهمه بأنه «باع حق الوصول إلى والده الرئيس آنذاك.. وأنه كان لديه صفقات مشبوهة كما كشفه جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به».

المستقبل: بين إرث العائلة والرغبة في الحماية

رغم التكهنات بترشحه للرئاسة، يبدو إريك حذراً. كما يأتي في المركز الخامس في استطلاعات الرأي للانتخابات التمهيدية للجمهوريين. ويقول إنه «لا ينفي أبداً» أي نية ترشيح، لكن العائق الأكبر هو الكلفة الشخصية على عائلته الصغيرة. فهو لا يريد أن «يعرض أطفاله للعقاب» في سيناريو كابوسي حيث يحاول الخصوم «إسقاطك أو سجنك لمجرد أنك لم ترتكب أي خطأ».

من خلال كتابه وشهادته، يقدم إريك ترامب صورة لعائلة ترى نفسها «تحت الحصار»، متحديةً بتماسكها الداخلي ما تصفه بمحاولات خارجية مستمرة لتدميرها. ويبقى حارساً أميناً للإرث العائلي، يجسد قيماً تقليدية من الولاء والعمل الجاد، لكنه يتردد في الوقت ذاته في دفع الثمن الباهظ الذي قد تتطلبه السلطة في المشهد السياسي الأمريكي شديد الاستقطاب.

هل تستفيد العائلة من منصب الرئاسة؟

يقول إريك ترامب، إنه بفضل كل معاركهم القانونية، خسرت العائلة أموالاً بالفعل تقدر بنحو 400 مليون دولار، كما أن والده موّل حملته الانتخابية من ماله الخاص، فضلاً عن أنه لم يتلقَّ أي راتب من الحكومة الفيدرالية قط، بل تبرع به للجمعيات الخيرية. ثم يؤكد أن «آل ترامب لم يدخلوا عالم بيتكوين إلا لأن جميع المؤسسات المالية الكبرى ألغت تعاملاتهم».