بعد ما يزيد على قرن من الاختفاء، ظهرت واحدة من أشهر الجواهر في التاريخ، «الماسة الفلورنسية»، التي كان يُعتقد أنها فُقدت أو سُرقت أو أُعيد تقطيعها، حيث كشف أحفاد «آل هابسبورغ» النقاب عن أن الجوهرة الأسطورية، التي تزن 137 قيراطاً، كانت مُخبأة بأمان في خزنة بنك في كندا لعقود، تنفيذاً للوصية الأخيرة للإمبراطورة النمساوية الراحلة زيتا.

الماسة، ذات اللون الأصفر والشكل الكمثري، شُوهدت للمرة الأخيرة علناً عام 1919، مع اقتراب نهاية الإمبراطورية النمساوية المجرية، حيث قام الإمبراطور تشارلز الأول، خوفاً من تهديدات، بنقل مجوهرات العائلة إلى خارج البلاد، وقد غذّى اختفاء الماسة منذ ذلك الحين شائعات لا حصر لها وألهمت أعمالاً روائية وسينمائية.

في عام 1918، ومع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، شعر تشارلز الأول إمبراطور النمسا والمجر وعضو أسرة هابسبورغ بنهاية الإمبراطورية. وأدرك تشارلز، ابن أخ فرانز فرديناند الذي أشعل اغتياله فتيل الحرب، التهديدات المتزايدة من البلاشفة والفوضويين. ولحماية المجوهرات التي امتلكها آل هابسبورغ الحاكمون لقرون، نقلها إلى خارج البلاد.

وكانت إحدى الجواهر ألماسةٌ تزن 137 قيراطاً، وتعد أسطورية ليس فحسب لشكلها الكمثري ولونها الأصفر، بل أيضاً لتاريخها العريق. فقبل آل هابسبورغ، كانت مملوكةً لعائلة ميديشي، حكام فلورنسا. وازدادت جاذبية الماسة عندما اعتقد البعض أنها اختفت بعد وقت قصير من مغادرة تشارلز وعائلته فيينا إلى المنفى في سويسرا.

وقال أفراد العائلة: إن الإمبراطورة زيتا حملت المجوهرات معها في حقيبة كرتونية صغيرة، وبمساعدة أمريكية، سافرت إلى كندا واستقرت في منزل متواضع في مقاطعة كيبيك. وفي هذه الأثناء وُضعت الكرتونة الصغيرة في خزنة بنك، وفي عام 1953، عادت زيتا إلى أوروبا وتركت مجوهراتها في عهدة بنك كيبيك، حتى توفيت في سويسرا عام 1989 عن عمر يناهز96 عاماً.

وصية المئة عام

ويروي أحفاد العائلة لأول مرة، لصحيفة التايمز، أن جدتهم الإمبراطورة زيتا، أوصت أن يبقى مكان الماسة سراً لمدة 100 عام بعد وفاة زوجها عام 1922، ولم تكشف عن السر إلا لابنيها، روبرت ورودولف، اللذين نقلا بدورهما الوصية إلى أبنائهما لاحقاً.

وفي مشهد مؤثر مؤخراً، اجتمع ثلاثة من أحفاد هابسبورغ في أحد بنوك كندا لرؤية المجوهرات لأول مرة. وبعد فتح حقيبة كرتونية مهترئة وإزالة أوراق صفراء، ظهرت الماسة الفلورنسية متألقة وبحالة ممتازة. وكانت «ماسة فلورنتين» كما تسمى مغلفة بشكل منفصل عن الماسات الأخرى، ولكن وضعت في بروش كبير مرصع بالجواهر ضمن القطع المعروضة.

وقد أكد خبير مجوهرات من دار «كيشرت» التي كانت تزود البلاط الإمبراطوري سابقاً، أصالة الماسة بناءً على وزنها، وتطابقها مع الإطار الأصلي.

وتخطط العائلة الآن، بعد الوفاء بالوعد، لعرض المجموعة في متحف كندي كتعبير عن الامتنان لكندا التي وفّرت ملاذاً آمناً للعائلة. وأكد أحفاد هابسبورغ أنهم لا ينوون بيع الماسة، رافضين التكهن بقيمتها المالية. وبهذا الظهور، تُطوي واحدة من أعظم الألغاز في عالم الجواهر صفحة من الغموض، لتبدأ فصلاً جديداً يروي قصة بقاء ملكي واستمرارية تاريخية.

تاريخ مذهل وعلاقة ماري أنطوانيت

مع زوال سلالة ميديشي، أصبحت الماسة الفلورنسية ملكاً لعائلة هابسبورغ-لورين، التي ظهرت عام 1736 بزواج فرانسيس ستيفن وأرشيدوقة النمسا ماريا تيريزا، والدا ماري أنطوانيت.

وزينت الماسة تاج فرانسيس ستيفن خلال تتويجه إمبراطوراً رومانياً عام 1745، وبعدها أنجبت العائلة جميع إمبراطوري الرومان من عام 1440 إلى عام 1806، باستثناء فترة حكم قصيرة لمدة ثلاث سنوات. كما أنجبت العائلة أباطرة النمسا من عام 1804 إلى عام 1918. وتعد هذه العائلة مقدرة بشكل كبير حيث يدور حولها تاريخ أوروبا الوسطى بأكلمه.

نظريات أشعلت الدراما

أثار اختفاء الماسة الفلورنسية، التي ترددت شائعات حولها، تكهنات كثيرة لفترة طويلة. وحتى العام الماضي فقط، أشارت إحدى النظريات إلى أن آل هابسبورغ، تماماً مثل آل رومانوف بعد الثورة الروسية، باعوا الماس وممتلكات أخرى مقابل المال، وبعد ذلك تم تقطيعها وبيعها لمشترين مجهولين.

ثم كانت «هناك فرضية أكثر تفاؤلاً ولكنها أقل احتمالاً، وهي أن الماسة الفلورنسية لم تُبع على الإطلاق، بل أُعطيت لخادم من عائلة هابسبورغ أخذها إلى أمريكا الجنوبية، وأنها لا تزال موجودة هناك في مكان ما».

وشكّك بعض المختصين في عالم الأحجار الكريمة في أن الماسة قد أُعيد قطعها لإخفاء هويتها، على غرار ما يُخشى أن يكون قد حدث للمجوهرات المسروقة مؤخراً من متحف اللوفر.

ورغم أن الجمهورية النمساوية الأولى أصدرت تشريعاً في عام 1919 يقضي بمصادرة الممتلكات الخاصة لعائلة هابسبورغ في النمسا، فإن هذا التشريع لم ينطبق على تلك المجوهرات لأنها كانت خارج النمسا في ذلك الوقت.