إعداد: يوسف أبولوز ترجمة: مصطفى الزعبي

وجدت في جناح اليونان ما يمكن أن أسميه كنزاً ثقافياً يتمثل في كتيب على شكل نشرة بطباعة حميمة، لكن، على بساطة هذا الإصدار الخفيف، النظيف، فإنه في الواقع ببيوغرافيا – مركزة وتوثيقية، وتعريفية بالشعراء اليونانيين من القرن التاسع عشر وحتى القرن الحادي والعشرين.
خمسة عشر شاعراً وشاعرة اجتمعوا في مكان واحد هنا في الشارقة، يشكلون ذاكرة أدبية يونانية من خلال المختارات الشعرية لهؤلاء الكبار اليونانيين لنلتقي بالروح الأدبية اليونانية التي يعبر عنها الشعراء وما حمله من مضامين هذه المختارات التي تحتفي بالجمال، والحياة، والإنسان في اليونان، وفي كل مكان في العالم.
«الخليج» تترجم هذه النصوص للمرة الأولى لأربعة شعراء.
الشاعر الأول، أندرياس كالفوس (١٧٩٢ - ١٨٦٩). أحد أهم الشعراء اليونانيين المعاصرين في القرن التاسع عشر، ومعاصر لأوغو فوسكولو وديونيسيوس سولوموس. وُلد في زانتي (زاكينثوس)، لكنه عاش في مدن عالمية مثل: ليفورنو، وفلورنسا، وزيورخ، ولندن، وباريس، وجنيف، وكورفو. توفي في لاوث، لينكولنشاير، عام ١٨٦٩، ونُقل رفاته إلى زاكينثوس في يونيو ١٩٦٠ على يد السفير اليوناني في بريطانيا آنذاك، الشاعر جورج سيفيريس.
وجمع كالفوس بين تعليمه الكلاسيكي الجديد الراسخ ومبادئ الرومانسية السامية، فعبّر عن الأفكار الثورية الوطنية في عصره ورؤيته الشخصية، مُشيداً بالحرية والفضيلة والعدالة والمجد. ولا يزال أسلوبه فريداً في الأدب اليوناني.
ويقول كالفوي: «إلى ساموسليحس من ثقلت عليه يد الخوف النحاسية تحت نير العبودية؛ فالشجاعة والفضيلة هما ما تحتاج إليه الحرية. هي والأسطورة تُكذب عقل الحقيقة. أعطت أجنحة لإيكاروس، لكنه، مع ذلك، ما زال مُجنّحاً، حتى وإن سقط وغرق في البحر، سقط من أعالي شاهقة ومات حراً.
وإن أصبحتَ مذبحةً لطاغية بلا شرف، فاعتبر القبر رعباً».

* رواد


الشاعر الثاني، هو ديونيسيوس سولوموس (٨ إبريل ١٧٩٨ - ٩ فبراير ١٨٥٧) هو الشاعر الوطني لليونان. اشتهر بتأليفه «ترنيمة إلى الحرية» (١٨٢٣)، التي لحن نيكولاوس مانتزاروس المقطعين الأولين منها، فأصبحا النشيد الوطني اليوناني عام ١٨٦٥. وُلد في زاكينثوس (زاكينثيا)، ودرس القانون في كلية الحقوق في جامعة بادوفا، وكان من بين أساتذته فينتشنزو مونتي، وأوغو فوسكولو، وإيليا جيارديني. في إيطاليا، تأثر تأثراً عميقاً بالحركات الليبرالية الأوروبية، وأصبح واعياً بمطالب التجديد الاجتماعي، وبالتيارين الكلاسيكي والرومانسي في آنٍ واحد. عند بلوغه العشرين، عاد إلى زاكينثوس، حيث شهد اندلاع الثورة اليونانية. وكان لخروج ميسولونغي في أحد الشعانين عام ١٨٢٦ أثر بالغ في شعره وإبداعه. لاحقاً، انتقل إلى كورفو، المركز الفكري وعاصمة الجزر الأيونية، حيث التفّ حوله شعراء ومثقفون ومعجبون، وكان بينهم كثير من روّاد الفكر الليبرالي والتقدمي في ذلك العصر. وفي كورفو بلغ شعره مرحلة النضج الفني والفكري.
كان سولوموس عاشقاً للتراث الشعري اليوناني، وشخصيةً محورية في مدرسة الشعر السباعية. ويُعد الشاعر الوطني لليونان، ليس فقط لأنه كتب النشيد الوطني؛ بل لأنه أسهم في صون التراث الشعري القديم وإبراز قيمته في الأدب الحديث.
يقول: «يرقص الحب مع إبريل الأشقر، وأتى زمن الطبيعة الجميل والعذب، وفي الظل الممتلئ بالبرودة والمسك، تُغرّد الطيور الغريبة والمُغمى عليها. مياه صافية وحلوة، مياه ساحرة تتدفق إلى الأعماق المُحمّلة بالعطر، تتشرب عبيره، وتمنح برودتها، وتُظهر للشمس كل غنى ينابيعها. تتدفق هنا، تتدفق هناك، تُغني كطيور البلبل. وتتدفق الحياة على الأرض، في السماء، على الأمواج. ولكن على سطح البحيرة، ساكنة وبيضاء، ساكنة في كل مكان، وبيضاء حتى أعماقها، ظل صغير مجهول طاردته الفراشة، بعد أن عبق نومها برائحة زنابق برية. يا صديق الظل الخفيف، ماذا رأيت الليلة؟ ليلة مملوءة بالعجائب، ليلة مُفعمة بالسحر! لا نسمة نسيم على الأرض، أو السماء، أو البحر، ولا حتى نحلة تُقرّب زهرة صغيرة، إلى شيء هادئ يبيض في البحيرة. فقط دائرة القمر تتشابك، وتخرج فتاة جميلة مُرتدية ضوئه».

*شخصية محورية


الشاعر الثالث، هو كوستيس بالاماس (١٣ يناير ١٨٥٩ – ٢٧ فبراير ١٩٤٣) شاعر، وكاتب مقالات، وناقد أدبي، ومسرحيّ. كان شخصية محورية في الحداثة اليونانية وعضواً بارزاً في ما يُعرف بجيل ١٨٨٠ الأدبي، إلى جانب كونه أحد مؤسسي المدرسة الأثينية الجديدة المعروفة أيضاً باسم المدرسة البالامية.
كان لبالاماس تأثير بالغ العمق في تطوّر الأدب اليوناني الحديث، وجسّد في أعماله روح النهضة الثقافية والوطنية التي أعادت إلى اللغة اليونانية الحديثة مكانتها الأدبية بعد قرون من الجمود.
في جنازته، خلال الاحتلال الألماني لأثينا أثناء الحرب العالمية الثانية، احتشد نحو مئة ألف مواطن رافعين أصواتهم بإنشاد النشيد الوطني اليوناني المحظور أمام أنظار المحتلين الألمان المذهولين. اقترب الشاعر الكبير أنجيلوس سيكيليانوس من نعش بالاماس، ووضع يديه عليه، وبدأ تأبينه بكلماته الشهيرة في هذه القصيدة التالية: «أطلقوا النشيد!أعلام الحرية الباهرة ترفرف في الهواء، وعلى نعشه تتدلّى كلّ اليونان».
ويقول في إحدى قصائده: «من يدري في النجوم الأخرى؟ مع أن إيروس هنا على الأرض أبونا، وأن الكارثة مُرضعتُنا، فمن يدري في النجوم الأخرى؟، تدور النجوم في فوضى، بعضها يواجه الأرض عمالقة والأرض جوهرة صغيرة. من يدري، في النجوم الأخرى من الناس هناك؟ وما القِلاع؟ كيف تبدو عقولهم؟ مِن أيّ المواد صُنعوا؟ ما هي القُبلات؟ وما الشِّفاه؟ ما الأشواق؟ وما الرغبات؟ لم نرَهم، لا في اليقظة، ولا في الأحلام ظلاّ أمامنا. يا لَها من عواطف تتأوّه هناك! ولعلّ عواطفنا أمامهم ليست سوى ألعاب نائمة، ومشاكل لا طائل منها، أفعال طفولية، أمام القلوب التي كانت لي... أمام هذه الأحزان، نسور الشقاء، وثعابين الإثارة، وبقايا الرماد المحترق. ومع أن إيروس هنا على الأرض أبونا، والكارثة مُرضعتُنا، فمن يدري في النجوم الأخرى؟».

* رمز


الشاعر الرابع هو قسطنطين ب. كفافيس (29 إبريل 1863 – 29 إبريل 1933)، يعد واحداً من أبرز رموز الأدب اليوناني الحديث، ومن أهم شعراء القرن العشرين. وُلد في الإسكندرية بمصر، وعاش في كل من الإسكندرية، ليفربول، لندن، القسطنطينية، وأثينا. تمتاز أشعاره بدمجها الفريد بين التجربة الذاتية والرؤية التاريخية، وتُرجمت إلى لغات عديدة مرات عديدة، ما أكسبه مكانة مرموقة بين كبار شعراء اليونان والعالم الغربي على حد سواء.
ويقول في إحدى قصائده: «مع انطلاقك نحو إيثاكا، أتمنى أن يكون طريقك طويلاً، مملوءاً بالمغامرات والاكتشافات، الليستريجونيون والعملاق، بوسيدون الغاضب لا تخش منهم لن تواجههم على الطريق ما دمت متفائلاً، ما دامت حماستك الفريدة تثير روحك وجسدك. الليستريجونيون والعملاق، وبوسيدون الجامح لن تصادفهم إلا إذا جلبتهم معك إلى روحك، ما لم تهيئهم أمامك. أتمنى أن يكون طريقك طويلاً. أتمنى أن تمر بالعديد من صباحات الصيف، تدخل خلالها موانئ لأول مرة بفرح ومتعة، وتتوقف في محطات التجارة الفينيقية لتشتري أشياء نفيسة: عرق اللؤلؤ، والمرجان، والعنبر، والأبنوس، والعطور الفاخرة من كل نوع. وأرجو أن تزور مدناً مصرية عديدة لتتعلم من علمائها، وتواصل اكتساب الحكمة. احتفظ دائماً بإيثاكا في ذهنك».