قطيعة مكلفة بين روسيا وأوروبا

00:17 صباحا
قراءة دقيقتين

توشك العلاقات الروسية الأوروبية على تجاوز نقطة اللاعودة، مع اتساع انعدام الثقة ودخولها في حرب سياسية واقتصادية شاملة قد تتسع إلى مواجهة عسكرية، ولو محدودة، فيما يبدو الدور الأمريكي غامض المواقف والنوايا، سواء في التعامل مع موسكو أو مع التكتل الأوروبي، بما يسهم في تعقيد المشهد ودفعه إلى المجهول.
مع تعثر جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وتعذر عقد قمة ثانية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، كان هذا الفشل نجاحاً لأغلبية الدول الأوروبية وبدد مخاوفها من تحقيق موسكو أهدافها، فكانت النتيجة الأولية أن شددت روسيا هجماتها العسكرية في أوكرانيا، وهددت باتخاذ إجراءات لا قِبل لأوروبا بتحملها، وقد تم تفسير تلك الإجراءات باحتمال أن تتمدد الحرب إلى دول أوروبية أخرى، في وقت دعا فيه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته الحلفاء إلى الاستعداد لمواجهة طويلة الأمد مع روسيا التي وصفها بأنّها «قوّة مزعزعة للاستقرار في أوروبا والعالم».
وفق هذه العقلية أصبحت تدار العلاقة بين القوى الأوروبية وروسيا. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو موقفها الحالي شبيهاً بما كان منها خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، فهي تقتنص الفرصة المناسبة للتدخل حتى تضمن النصر وتقطف الغنائم.
وقد كان ذلك في القرن الماضي، أما اليوم فالوضع مختلف، وروسيا ليست ألمانيا النازية أو الإمبراطورية اليابانية، ولذلك فإن الولايات المتحدة لن تنجر إلى أي مواجهة، وربما تحدث مفاجأة في القريب العاجل ويتم الاتفاق على عقد قمة بين ترامب وبوتين تنتهي بنتائج إيجابية لم تكن متوقعة، وقد يكون هذا الخيار الأسلم للجميع. ومهما يقال عن مزاجية الرئيس الأمريكي الحالي وتقلباته، فقد يكون في اللحظة الحاسمة أكثر حكمة من الأوروبيين، وهو يعرف، قبل غيره، معنى الدخول في حرب مع روسيا، ثاني قوة عسكرية في العالم، ناهيك عن المخاطر التي ستنجم عنها وتداعياتها التي تتجاوز حدود الخيال.
في الأيام الأخيرة، رفعت أوروبا سقف المواجهة مع روسيا، ففرضت حزماً إضافية من العقوبات وقررت وقف استيراد الطاقة واستخدام الأصول المجمدة لتمويل أوكرانيا، وفرضت قيوداً مشددة على تأشيرات «شنغن» بالنسبة إلى الروس، وبينما يسعى الأوروبيون إلى إخضاع روسيا، تحاول واشنطن دفع موسكو إلى المفاوضات وتقديم تنازلات جوهرية في قضايا عدة، إحداها إنهاء الحرب في أوكرانيا وضمان الأمن الأوروبي، أما أهمها فعودة موسكو عن طموحاتها مع الصين لبناء نظام دولي جديد ومنح واشنطن مزايا اقتصادية وصفقات حول المعادن النادرة وغض الطرف عن بعض سياسة ترامب الخارجية.
وبالنسبة إلى موسكو فإن كل هذه المطالب الأمريكية هي جوهر الصراع الحالي وعنوانه الأبرز، ولا يبدو أن الكرملين سيخاطر بكل التضحيات والوعود، التي قدمها طوال سنوات، ويعود إلى حدود ما قبل الحرب في أوكرانيا فاقداً كل شيء.
إنها لحظة ملغومة بالمخاطر تحكم العلاقة بين روسيا والغرب عموماً، وأوروبا بالتحديد، قد تنتهي بقطيعة مكلفة لجميع الأطراف، وطالما لم يُوضع حدٌ لهذا التوتر المتصاعد فإن الأسوأ قادم، ويجب ألا يحدث مهما كان الثمن.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"