في وقائع أشبه بأفلام الجاسوسية القديمة، يجد مئات الفلسطينيين أنفسهم منقطعين عن العالم في رحلات جوية غامضة، من غزة المحاصرة إلى وجهات خارجية، في عملية أثارت تساؤلات حكومية ودولية حول الجهة التي تقف وراءها والأهداف الخفية منها، فيما اعتبرها بعض المراقبين تحركات «ناعمة» لتطهير غزة من أهلها بل والأغرب أن الفلسطينيين هم من يدفعون تكاليفها عبر مؤسسة تدعى «المجد» تقف خلفها شخصيات وجهات إسرائيلية.
تبدأ الحكاية بمكالمات هاتفية غامضة. رجال يدّعون العمل في منظمات إنسانية يتصلون بعائلات فلسطينية في غزة، يعرضون عليها ترتيب خروج من جحيم الحرب مقابل 1600-2000 دولار أمريكي للفرد، تُدفع مقدماً إلى حسابات مشفرة.

حكاية رحلة أحمد شحادة


أحد الفلسطينيين الذين خرجوا من غزة عبر رحلة جوية، أزاح الستار عن تفاصيل الرحلات الجوية المريبة، بدءاً من تلقيه اتصالاً من شخص زعم أنه يعمل لدى منظمة إنسانية يمكنها ترتيب نقله وعائلته جواً من القطاع، إذا دفع 1600 دولار أمريكي عن كل شخص إلى حساب مشفر. وطالب بالمبلغ مقدماً.
ويقول الفلسطيني أحمد شحادة، وهو طبيب خرج مؤخراً من غزة، إنه ظن في البداية أن المكالمة عملية احتيال فرفض، لكن بعد أن علم بصديق له هرب من عبر المجموعة نفسها، قرر المخاطرة.
ويكشف الطبيب الفلسطيني شحادة البالغ 37 عاماً لنيويورك تايمز أنه نزح وعائلته في غزة 12 مرة خلال الحرب، وفي شهر مارس / آذار الماضي تواصل مع منظمة تدعى «أوروبا المجد»، بعد أن أرسل له أحد زملائه رابطاً لموقعها عبر واتساب، حيث ملأ استمارة، وفي إبريل/نيسان اتصل به أحد مسؤولي المنظمة.
وبعد الموافقة الأولية، يتلقى كل مرشح لمغادرة غزة تعليمات بتحويل المبلغ إلى حساب المنظمة المشفر. وبعد الدفع، يُضاف إلى مجموعة واتساب يديرها رقم هاتف إسرائيلي لمشاركة آخر المستجدات المتعلقة بالمغادرة.

بداية الرحلة المريبة


وعندما قرر شحادة المغادرة بعد أشهر، دفع 6400 دولار، لأربعة أشخاص، وتلقى مكالمة هاتفية قبل منتصف ليل 26 أكتوبر/تشرين الأول بقليل. وأخبره ممثل عن المنظمة أن العائلة بحاجة إلى الوصول إلى خان يونس للمغادرة في غضون أربع ساعات.
ومن خان يونس ركبت الأسرة حافلة، وطُلب منهم إغلاق الستائر والامتناع عن استخدام هواتفهم قبل دخول رفح، وأمرهم مسؤول المنظمة بإبلاغ أي شخص يسأل عما يفعلونه بأنهم جزء من عملية إجلاء السفارة الفرنسية. وهو ما اعتبره مخاطرة كبيرة، ظناً أنهم قد يتعرضون لإطلاق النار في رفح.
ويضيف شحادة، أنهم وصلوا إلى معبر كرم أبوسالم، حيث أمرتهم القوات الإسرائيلية بترك جميع ممتلكاتهم. مرّوا بعدة نقاط تفتيش أمنية، ثم صعدوا إلى حافلات جديدة نقلتهم إلى مطار رامون جنوب إسرائيل لركوب طائرة مستأجرة تابعة لشركة «فلاي يو»، ولم يتم إبلاغهم إلا في منتصف الرحلة بأنهم متجهون إلى العاصمة الكينية نيروبي.
ومن نيروبي، نُقلوا إلى رحلة مستأجرة تابعة لشركة «ليفت»، وطاروا إلى جنوب إفريقيا، حيث تلقى شحادة رسالته الأخيرة من المنظمة، والتي أخبرته عن بيت ضيافة تم حجزه لعائلته، ولكن لمدة أسبوع واحد فقط، على الرغم من أن المجموعة وعدت بشهر.

لماذا عطلت جنوب إفريقيا دخولهم؟


وعندما وصلت الرحلة إلى جنوب إفريقيا، أجّلت السلطات نزولهم لأكثر من اثنتي عشرة ساعة، بدعوى عدم حيازة الركاب للوثائق اللازمة، أو تذاكر عودة، وعدم ختم جوازات سفرهم عند مغادرتهم إسرائيل.
وبعد مراجعة سمحت السلطات للغزيين بدخول البلاد. ووفقاً للركاب، بمن فيهم عائلات مع أطفال صغار، لم يُقدّم لهم طعام أو ماء أثناء الانتظار، وكانت الظروف داخل الطائرة صعبة للغاية.
ويوضح راكب فلسطيني أنه بعد أن عرضت منظمة إغاثة محلية توفير السكن للمجموعة بأكملها، سُمح لهم بدخول جنوب إفريقيا بموجب إعفاء من التأشيرة لمدة 90 يوماً يتم منحه للفلسطينيين.

تنسيق إسرائيلي رسمي مع «المجد»


الأكثر إثارة للقلق هو التنسيق الرسمي الإسرائيلي مع هذه العمليات، حيث كشفت هآرتس أن مكتب الهجرة الطوعية التابع لوزارة الدفاع الإسرائيلية، الذي تم إنشاؤه في مارس/آذار الماضي بقرار من مجلس الوزراء الأمني المصغر، أحال منظمة «المجد» إلى منسق أعمال الحكومة في المناطق التابع للجيش الإسرائيلي.
المكتب الذي يرأسه نائب مدير عام وزارة الدفاع يعقوب بليتشتاين، تم إنشاؤه تحديداً «لتسهيل الإجراءات الأمنية بشكل كبير على الفلسطينيين المغادرين من غزة». ووفقاً لمصدر أمني، لم يُمنع سوى نسبة ضئيلة من الغزيين الراغبين بالمغادرة منذ قرار مارس/آذار.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن من يقف خلف منظمة «المجد» شخص يدعى تومر جانار ليند، وهو يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والإستونية.
وفي مارس/آذار من العام الماضي، قرر مجلس الوزراء الأمني ​​الإسرائيلي إنشاء مكتب لتسهيل الإجراءات الأمنية بشكل كبير على الفلسطينيين المغادرين من غزة. مع ذلك، لا يُعرف الكثير عن عملياته التي يرأسها نائب المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلي، يعقوب بليتشتاين.
وفقاً لموقع المجد الإلكتروني، تأسست المنظمة عام 2010 في ألمانيا، ولها مكاتب في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية. لكن الغريب وفقاً لصحيفة هآرتس فإنه لا يوجد منظمة بهذا الاسم مسجلة في ألمانيا أو القدس الشرقية، وأن الموقع نفسه لم يُطلق إلا في فبراير من هذا العام. ولا تُؤدي روابط حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أي نتيجة. كما يدّعي الموقع أنه ساعد ضحايا زلزال تركيا عام 2023 ولاجئي الحرب الأهلية السورية، لكنه لا يقدم أي دليل يدعم هذه الادعاءات.
ويُدرج الموقع أيضاً اسمَي «مديري مشاريع»، وهما عدنان من القدس ومؤيد من غزة. نشر مؤيد على إنستغرام صورةً له وهو يستقل طائرةً رومانيةً غادرت في مايو/أيار إلى إندونيسيا. بينما لا يُقدّم الموقع أي معلومات تعريفية عن مديريه، إلا أن نسخة أقدم منه عرضت شعار شركة «تالنت غلوبس» المُسجّلة في إستونيا.
وتُفصّل صفحة على الموقع «شروط الهجرة الطوعية من قطاع غزة»، مُشيرةً إلى أن «تالنت غلوبس» تُنظّم المجموعات. ووفقاً للموقع، يُزعم أن الشركة تُقدّم خدمات استشارية وتوظيف، إلا أنها تُقدّم صوراً فوتوغرافية ورقم هاتف مُزيّفاً وعناوين في إستونيا ولندن وغيرها.
ويُظهر البحث في سجل الشركات الإستونية أن الإسرائيلي تومر جانار ليند أسس شركة «تالنت غلوبس» قبل عام. ووفقاً لسجل الشركات البريطاني، أسس ليند أربع شركات مختلفة في إنجلترا خلال العقد الماضي؛ ثلاث منها لم تعد نشطة. وتشير وثائق الشركة إلى أنه وُلد عام 1989 ويحمل الجنسيتين الإسرائيلية والإستونية. ويذكر ملفه الشخصي على لينكدإن أنه يساعد الفلسطينيين في غزة.
وفي اتصال مع هآرتس على هاتفه في لندن، لم ينكر ليند تورطه في ترتيب عمليات المغادرة من غزة، لكنه رفض الإفصاح عن هوية الجهة التي تقف وراء هذه المنظمة. وقال: «لا أرغب في التعليق في هذه المرحلة، ربما لاحقاً».

رحلات متعددة ووجهات متناثرة


غادرت أول مجموعة مكونة من 57 فلسطينياً غزة في 27 مايو/أيار الماضي، على متن طائرة رومانية مستأجرة إلى بودابست، ثم إلى إندونيسيا وماليزيا.
المجموعة الثانية المكونة من 150 شخصاً غادرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول إلى نيروبي، ثم إلى جوهانسبرغ. المجموعة الثالثة والأخيرة المكونة من 153 شخصاً واجهت مشاكل في جنوب إفريقيا، حيث أجبروا على الانتظار داخل الطائرة لمدة 12 ساعة.

ردود الفعل الرسمية: اتهامات وإنكار


أثارت هذه العمليات غضب الحكومة الجنوب إفريقية. وزير الخارجية رونالد لامولا ألمح إلى أن إسرائيل تقف وراء ما وصفه بـ«أجندة واضحة لتطهير غزة والضفة الغربية من الفلسطينيين».
الرئيس سيريل رامافوزا علق بقوله: «يبدو الأمر كما لو كان يتم طردهم»، مؤكداً في الوقت نفسه التزام بلاده بقبولهم نظراً لدعم جنوب إفريقيا التاريخي للقضية الفلسطينية.
من جانبها، نفت إسرائيل هذه الاتهامات، بينما أكد جيشها أنه حصل على موافقة من دولة ثالثة دون ذكر اسمها.
تحذيرات فلسطينية من «شبكات الاتجار بالبشر»
السفارة الفلسطينية في جنوب إفريقيا حذرت في بيان من أن المغادرة تمت بتدبير «منظمة غير مسجلة ومضللة استغلت الظروف الإنسانية المأساوية لأهلنا في غزة، وخدعت العائلات، وجمعت الأموال منهم، وسهلت سفرهم بطريقة غير نظامية وغير مسؤولة».
وزارة الخارجية الفلسطينية حذرت سكان غزة من «الوقوع فريسة لشبكات الاتجار بالبشر، وتجار الدم، ووكلاء التهجير».

خلفية سياسية: «خطة ترامب» لإعادة التوطين


تأتي هذه العمليات في سياق سياسي أوسع. مع بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأ الحديث عن نقل سكان غزة إلى مناطق أخرى. في فبراير/شباط الماضي، قال ترامب في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن الولايات المتحدة «ستسيطر» على غزة وتحولها إلى «ريفييرا»، بينما ينقل الفلسطينيون إلى «منطقة جميلة» «بعيدة قليلاً» عن غزة.
وراء هذه التفاصيل السياسية والأمنية، توجد معاناة إنسانية حقيقية. العائلات التي دفعت آلاف الدولارات تجد نفسها في بلاد غريبة، بوعود سكن لمدة شهر تتحول إلى أسبوع واحد فقط.
ما هو مؤكد أن آلاف الدولارات تنتقل من جيوب الفلسطينيين اليائسين إلى حسابات مشفرة، بينما تنتقل العائلات من حرب إلى غموض، في عملية تذكر بأن الحرب لا تنتج فقط الدمار والموت، بل أيضاً فرصاً للاستغلال تزدهر في ظلام الصراعات.