تحقيق: عماد أنور
لم تعد الرياضات الإلكترونية أو «ألعاب الفيديو» مجرد وسيلة للترفيه، بل باتت صناعة استراتيجية مستقبلية، تفوقت على صناعات كبرى، منها السينما مثلاً. ويكفي القول إن أعلى ثلاثة أفلام في تاريخ «هوليوود» حصدت مجتمعة قرابة 3 مليارات دولار، بينما تخطت عائدات لعبة مثل (GTA V) 8.6 مليار دولار.
ولم تعد أيضاً كما نألفها بمشهدها الكلاسيكي المعروف، والمتمثل بلاعبين يتنافسون في حماس أمام الشاشات، أو مراهقين منشغلين بتخطي محاولة صعبة، في لعبة ما، على هواتفهم المحمولة، بل أصبحت عالماً واسعاً ومتداخلاً، نواته فكرة بسيطة ابتكرها اثنان فيزيائيان بهدف «قتل الملل»، ولم يعلما أن فكرتهما ستتخطى حاجز الترفيه وتتحول إلى «كعكة» استثمارية ضخمة، وأداة سحرية لتحقيق غايات ثقافية وسياسية ودينية، نطراً لقدرتها الكبيرة على التأثير.

عام 1947، حين كان الفيزيائيان «توماس جولدسميث» و«إيستل بيمان» يعملان في مختبر لتصنيع التلفزيونات، فكَّرا في تطوير أنبوب يُسمى «الكاثود»، يطلق إلكترونات على هيئة شعاع دقيق ينعكس على شاشة أمامهم في صورة نقط صغيرة مضيئة، وبالفعل نجحا في أن يتحكما في هذه النقاط يدوياً عبر مقبض يدوي متصل بالشاشة، مكّنهما من تحريكها في كل الاتجاهات، وكانت هذه أول نواة لألعاب الفيديو، ابتكرها الثنائي كوسيلة لقتل الملل، وأطلقوا عليها «جهاز تسلية أنبوب الكاثود»، لكنه جهاز بدائي أصم، لم تصدر منه أية أصوات.
ظهرت بعد ذلك محاولات عدة لبعض المخترعين، لكن عام 1958، كُشف عن أول لعبة ثنائية وهي (Tennis For Tow) التي صممها «ويليام هيجين بورسن»، وكانت عبارة عن شاشة دائرية تظهر عليها نقطة مضيئة متحركة وفي منتصفها خط يقسمها إلى نصفين، ويتصل بالشاشة صندوقا تحكم أشبه بذراعي اللعب حالياً، يمكِّنا اللاعب من التحكم في هذه النقطة، ويستمر اللاعبان في تبادل تحريكها محاولين تخطي الحاجز، كأنها كرة مضرب، حتى يفشل أحدهما ويفوز الآخر.
الصندوق البني
حتى الآن لم تخرج هذه الألعاب خارج جدران معامل البحث، برغم محاولات لم تتوقف من العلماء، لكن تغير المسار جاء مع ظهور «رالف بير» صاحب لقب «أبو الألعاب الإلكترونية»، حيث حمل على عاتقه مهمة تطوير الألعاب بدافع رغبته في وصولها إلى البيوت، وقتها فكر «بير» في ابتكار جهاز يعمل مباشرة على التلفزيون المنزلي بدلاً من الشاشة المنفصلة، ونجح في ابتكار أول لعبة في العالم وهي (brown box) أو «الصندوق البني»، وهو صندوق متصل بالتلفاز، يخرج منه ذراعا تحكم، وفي عام 1972 تم طرح الجهاز في الأسواق وبعد عام واحد فقط بيع منه أكثر من 100 ألف نسخة، وفي عام 1975 بيع نحو 300 ألف جهاز، من هنا انفجرت ظاهرة الألعاب الإلكترونية.

كانت محاولة بير نقطة انطلاق لظهور «كبائن اللعب» المزودة بشاشات وتعمل بالعملات المعدنية والمعروفة باسم «الأوركيد» وتوجد في أغلب المتاجر الكبرى، وفي عام 1980 حدثت الطفرة مع ظهور شاشات الألوان وظهرت لعبة (Bacman) التي حصدت أكثر من مليار عملة معدنية من فئة ربع دولار.
السرد القصصي
كان عام 1981 موعد ظهور أول لعبة إلكترونية بفكرة السرد القصصي، ابتكرتها شركة (Nintendo) اليابانية وهي لعبة (Donkey Kong) وتحكي عن نجار يرعى حيواناً أليفاً وبسبب معاملته السيئة، قرر الحيوان خطف صديقته والهرب بها. وفي اللعبة يحاول النجار البحث عن الحيوان وإنقاذ صديقته، ومع منتصف التسعينات بدأ بزوغ شركات جديدة مثل (Sega) و(X BoxK)، حتى وصلنا إلى التطور المذهل الذي نعيشه حالياً وظهور ألعاب (Fifa) و(Bubg) و(Roblox) الأكثر شهرة وانتشاراً.
شعبية جارفة
يشهد قطاع الألعاب الإلكترونية تحولاً كبيراً يعود لعدة عوامل، أبرزها التطور السريع في البنية التحتية الرقمية، والتطور التقني والتكنولوجي المتسارع في الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس والحوسبة السحابية، والابتكار المذهل في تصميم الألعاب، إضافة إلى انتشار منصات البث المباشر التي جعلت من البطولات الكبرى أحداثاً عالمية تُشاهد على نطاق واسع.
أدى هذا التطور إلى تعزيز فكرة أن العالم أصبح «قرية صغيرة»، وأن مئات من الأشخاص ينتمون إلى دول تتباعد عن بعضها آلاف الأميال، يمكنهم التنافس في لعبة واحدة وفي التوقيت نفسه، خصوصاً وأن أجهزة اللعب باتت موجودة في أغلب البيوت، فضلاً عن الأجهزة المحمولة.

وتعد ألعاب إطلاق النار والمغامرات الحركية أكثر الأنواع استخداماً، تليها ألعاب المحاكاة والسباقات، بينما تجذب ألعاب الألغاز والمنصات وألعاب تقمص الأدوار الجماهير الأكبر سناً. وعلى غرار كرة القدم، اللعبة الشعبية الأولى في العالم، فقد أفرزت الألعاب الإلكترونية الكثير من النجوم الكبار، أغلبهم في العشرينات من العمر، ينعمون بدخل مرتفع يصل في بعض الأحيان إلى ملايين الدولارات، كما تسعى شركات كبرى لتوقيع عقود رعاية معهم وتنظم مشاركتهم في البطولات العالمية.
3.4 مليار شخص
بحسب تقارير أعلنتها مؤسسة كأس العالم للرياضات الإلكترونية (Esport world cup)، فإن أكثر من 3.4 مليار شخص حول العالم يمارسون الألعاب الإلكترونية، أما على مستوى الجماهيرية، فقد حققت بطولة العالم 2025 أرقاماً تاريخية بأكثر من 750 مليون مشاهد عبر الإنترنت و350 مليون ساعة متابعة إلى جانب 3 ملايين زائر حضروا الحدث من 66 دولة.
ليس ذلك فحسب، بل تم التعاون مع منتجين ومؤلفين موسيقيين عالميين مثل (Hollywood Scoring) و(Potion Projects)، لصناعة هوية صوتية مميزة للبطولة، وكما جمعت البطولة جماهير مختلفة تحت سقف واحد، جمعت أغنية الافتتاح بين أنماط موسيقية مختلفة منها «الروك» و«الهيب هوب» لتعكس التنوّع الذي ميّز الحدث.
وقتها قال المدير الإبداعي للبطولة: «سعينا لدمج أنماط موسيقية وفنانين من مختلف الجنسيات لتعكس المزيج العالمي من الألعاب واللاعبين، جسّدت الموسيقى قوة البطولات وحكايات الأبطال».
العالم الرقمي
بما أن العالم بأسره يتجه نحو الرقمنة في مختلف جوانب الحياة، فقد كان من الطبيعي أن يشمل الألعاب أيضاً، وهو ما أكده شريف عبدالباقي، رئيس الاتحاد المصري للرياضات الإلكترونية، وقال: إنه مع انتشار الهواتف الذكية وأجهزة الألعاب مثل «بلايستيشن»، أصبح الإقبال على هذا النوع من الألعاب كبيراً.

ولفت إلى زيادة الوعي تدريجياً في العالم العربي، كما افتُتحت كليات متخصصة في تطوير الألعاب وهندسة البرمجيات، وبدأت الأندية في تشكيل فرق إلكترونية، ومع اعترافه بوجود صورة سلبية حول الألعاب الإلكترونية، وأنها مضيعة للوقت، بيَّن عبدالباقي ل «الخليج»، أن هذه الصورة نابعة من ضعف الوعي، لكن كثيراً من أولياء الأمور بدؤوا يتفهمون أن الألعاب الإلكترونية قد تفتح أبواباً لمستقبل واعد، خاصة بعد رؤية أبنائهم يحققون بطولات ويحصلون على جوائز، كما كشف أن جميع الألعاب تتضمن اتفاقية استخدام واضحة، تحدد المدة الموصى بها للممارسة اليومية.
700 مليار دولار
أصبحت الألعاب الإلكترونية صناعة ضخمة فرضت نفسها على الاقتصاد العالمي، ويندرج تحتها صناعات أخرى، منها مثلاً تصنيع الأجهزة والمعدات والتصميم الغرافيكي والألوان وتصميم الموسيقى وغيرها، ما من شأنه فتح الباب أمام آلاف الفرص الوظيفية.
ووفقاً لموقع «ستاتيستا» العالمي المتخصص في البيانات، من المتوقع أن تتخطي حجم عائدات سوق الألعاب الإلكترونية عالمياً 450 مليار دولار بحلول عام 2030، مقارنة ب275 ملياراً عام 2024، ويصل الإجمالي إلى 700 مليار بحلول عام 2034 بمعدل نمو 10.8% وذلك قياساً بعدد الممارسين وهو 3.4 مليار شخص حالياً، منهم 1.14 مليار عبر الإنترنت، وتستحوذ الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على الحصة الأكبر.
التأثير الثقافي
إذا كان الجانب الاقتصادي يبدو طاغياً على صناعة الألعاب الإلكترونية، إلا أن هناك تنافساً آخر لا يقل احتداماً، وهو التنافس الثقافي، ما يجعلها قوة ناعمة لا يستهان بها، حيث تُعد وسيلة سحرية للترويج لعادات وتقاليد بعينها، وبث رسائل تستهدف تحقيق أهداف وغايات ثقافية ودينية.
ولعل الطابع التفاعلي للألعاب الإلكترونية يمنحها تأثيراً أعمق، إذ يعيش اللاعب التجربة ويتأثر بشخصيات أبطالها، مما يجعلها منصة قوية للتأثير الثقافي والأيديولوجي وتنميط السلوك على النحو الذي يرغب فيه بعض صانعيها. ووفقاً لدراسة نشرها مركز «بروكينغز» للدراسات في الولايات المتحدة بعنوان «ألعاب الفيديو ساحة جديدة لنزاعات السياسة العامة»، فقد استخدم «البنتاغون» ألعاب الفيديو لحث الشباب الأمريكي على التجنيد، وأطلق ألعاباً شهيرة أبرزها (America’s Army).
كما كانت وسيلة استغلها البعض للترويج لبث إساءات عنصرية ومشاعر كراهية ضد الأديان، منها لعبة (First to Fight) التي يفوز فيها اللاعب الذي يتمكن من تدمير المساجد، فيما أثارت لعبة (Call of duty) غضباً كبيراً لدى بعض المسلمين، ما اضطر الشركة المطورة لإصدار بيان اعتذار أكدت خلاله أن اللعبة صُنعت للجميع والصورة المسيئة للمسلمين وضعت بشكل خاطئ، وتمت إزالتها.
الانخراط في السياسة
اعترفت رينيه غيتينز، المديرة التنفيذية لاتحاد مطوري الألعاب العالمية، بارتفاع في وتيرة استخدام ألعاب الفيديو للانخراط في العالم السياسي، وذلك قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2020، وقالت: «إن عليك أن تذهب إلى حيث يوجد الجمهور، وهو موجود إلى حد كبير في ألعاب الفيديو»، مؤكدة أنها تتيح للسياسيين الوصول إلى مجموعات مختلفة من السكان. ولم تكن الجماعات الإرهابية في معزل عن ذلك، ولم تقم –كعادتها- بتحريم هذا النوع من الألعاب، بل استغلته في الترويج لأفكارها المتطرفة، حيث أصدر «تنظيم داعش» عام 2014 لعبة تسمى «صليل الصوارم»، وفيها تمارس الشخصيات الإلكترونية الشبيهة بأفراد التنظيم تفجير مركبات عسكرية، ومجموعة أخرى تتخصص في القنص، وثالثة تهاجم المنشآت، وذلك في مسعى لرفع معنويات عناصرها وتدريب الأطفال والمراهقين على أفكارها.
وقتها أعلن الذراع الإعلامية للتنظيم أن هناك إصدارات لألعاب أخرى جديدة بمحتوى يضم كل التكتيكات العسكرية ضد من يعتبرهم أعداءه، وقد نُشر فيديو تشويقي للعبة على «يوتيوب» يضم رسالة تحذيرية، تقول: «ألعابكم التي تصدرونها، نحن نمارس نفس هذه الأفعال الموجودة في ساحات القتال».
تجنيد المراهقين
قال أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، إن تنظيم «داعش» لجأ للألعاب الالكترونية لتجنيد المراهقين والشباب، وهو لا يعتمد على ألعاب من تصميمه بشكل أساسي، وإن كانت له محاولات سابقة، إنما يلجأ للألعاب الشهيرة ولديه نشطاء يتابعون المشاركين في هذه الألعاب ويدرسون شخصياتهم من أجل استقطابهم.
وأضاف ل «الخليج»: أن هؤلاء المنسقون يقيمون في مناطق بعيدة جغرافيا ليصعب رصدهم من قبل أجهزة الأمن، بحيث تكون عملية التجنيد مؤمنة إلى أقصى حد، أما من يتم تجنيدهم يشاركون في أعمال الدعاية وفي ما يُسمى «الغزوات الإلكترونية» على وسائل التواصل الاجتماعي وأعمال أخرى، من بينها رصد أهداف عملياتية.وتفضي هذه الألعاب غالبًا إلى غمر اللاعبين في واقع وهمي مغاير للذي يعيشونه، ما يسهم في تشكيل هوياتهم وأفكارهم، لذا تستغلها التنظيمات الإرهابية ل تجنيد الشباب والمراهقين، وهو ما أكده «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف»، في دراسة نشرها على موقعه الإلكتروني.
ودقت الدراسة ناقوس الخطر، وحذرت من أن استخدام منصات الألعاب يعطي فرصةً للدردشة الآمنة، لأنها يمكن أن توفر بيئات آمنة للتواصل مقارنة بالمكالمات الهاتفية، وأكدت أن المتطرفين يستغلون تلك المنصات للتخطيط للهجمات الإرهابية، مستشهدةً بما فعله اليميني المتطرف «أندريس بريفنيك»، الذي ارتكب مجزرة جزيرة «أوتويا» في النرويج، وأشارت إلى أن منفذي هجمات باريس عام 2015، والتي راح ضحيتها 432 مدنيًّا، خططوا لها بالتواصل عبر منصات للألعاب، حيث أن التلاعب بالإعدادات الأصلية لهذه لألعاب يتيح إضافة أي محتوى.
وحذرت من أن عناصر التنظيمات المتطرفة تدشن «مجموعات تواصل» خاصة على بعض الألعاب، بحجة ظاهرها احتراف اللعبة وباطنها استقطاب الشباب وتشجيعهم على العنف.
لاجئ يبحث عن السلام
بعيداً عن التطرف، وجدت الألعاب الإلكترونية من يسعى لاستغلالها في ترسيخ السلام. حدث ذلك في قصة بطلها شاب من جنوب السودان عاش مرارة الحرب، وكانت قصته أحق بأن يُلقى عليها الضوء في مؤتمر «الأمم المتحدة للشباب 2021».
«لوال ماين» اللاجئ الذي خرج من وطنه مع عائلته إلى مخيم للاجئين في أوغندا، وخلال الرحلة توفيت شقيقتاه.
بعد عدة أعوام عمل «لوال» مطوراً لألعاب الفيديو، وأقام في الولايات المتحدة، بل وأطلق شركته الخاصة، وابتكر لعبة «سلام» التي يتقمص اللاعب فيها دور اللاجئ ويتعين عليه الفرار من القنابل والبحث عن الماء، واكتساب نقاط الطاقة لضمان النجاة، وإذا نفدت، يقوم بشراء مزيد من الطعام والشراب والدواء بأموال حقيقية يتم التبرع بها إلى مراكز اللجوء.
فرصة لترسيخ الهوية
يعود هذا التأثير القوي في ممارسي الألعاب الإلكترونية إلى أن معظمهم في سن لا تسمح بتشكيل خبرات كافية عما يدور حولهم حول ماهيات بعض الدول وأغراضها السياسية، لذا فإنها فرصة كبيرة للدول العربية التي دخلت سباق الاستثمار في هذا القطاع، أن تبدأ في ابتكار ألعاب إلكترونية بهوية عربية تستهدف نشر الثقافات المحلية وترسّخ الهوية المحلية إقليمياً وعالمياً، بل وتقدم صورة صحيحة عن العرب على الساحة السياسة العالمية، بهدف نشر قيم السلام والتسامح والأخوة.
سبّاقة في مواجهة «الإجرام إلكتروني» والتحذير من الجماعات المتطرفة
الإمارات تدخل المضمار بنجاح.. رؤية مستقبلية وبنية رقمية قوية
قبل سنوات، كانت المنطقة العربية سوقاً استهلاكية لهذه الألعاب، لكن دولة الإمارات لم تتخذ موقف المشاهد، وقررت خوض هذا السباق الاستثماري في أحد أهم مجالات الاقتصاد الإبداعي، مدعومة برؤية استراتيجية وبنية رقمية متطورة، وبيئة محفزة على الابتكار، حتى أصبحت واحدة من أهم الأسواق في منطقة الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه كانت سبّاقة في مواجهة أي «إجرام إلكتروني»، والتحذير من الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تعتنق الفكر الهدام وتستغل هذا العالم الرقمي لاستقطاب الشباب والمراهقين.
وتعود بدايات تنظيم هذا القطاع في دولة الإمارات إلى مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة، بتأسيس جمعية الإمارات للرياضات الإلكترونية عام 2015، قبل أن يُعتمد مسماها الحالي اتحاد الإمارات للرياضات الإلكترونية عام 2021، ولفت سعيد الطاهر، الأمين العام للاتحاد، إلى العمل على توسيع قاعدة المشاركة وتطوير قدرات اللاعبين، وتنظيم بطولات نوعية تعزز حضور الدولة على المستوى الدولي، فضلاً عن تحويل الإمارات إلى منصة لتصدير المواهب وتنظيم البطولات الكبرى.
بوتيرة متسارعة
وفقاً لغرفة دبي للاقتصاد الرقمي، فإن 9 من كل 10 بالغين في الدولة يستخدمون الألعاب الإلكترونية، ما يشير إلى انتشارها بوتيرة متسارعة، ويبشر كذلك بخروج أعداد كبيرة من المواهب الإماراتية في هذا المجال، سواء على مستوى الممارسة أو الصناعة، وهو ما يعززه قيام بعض الجامعات بإدراج برامج أكاديمية متخصصة في الألعاب الإلكترونية بين برامجها. في جلسة بعنوان «مستقبل الألعاب الإلكترونية: من الهواية إلى الصناعة» ضمن فعاليات «قمة الإعلام العربي 2025»، كشف المتحدثون أن أعلى ثلاثة أفلام في تاريخ هوليوود حصلت مجتمعة قرابة 3 مليارات دولار، بينما تخطت عائدات لعبة (GATA V) وحدها حاجز 8.6 مليارات دولار.
وقالت منى الفلاسي، مدير إدارة الاستراتيجية للرياضة الإلكترونية في مؤسسة دبي للمهرجانات والتجزئة: إن دبي أصبحت من النماذج الناجحة في هذه الألعاب، بفضل الدعم الواسع الذي تقدمه للنهوض بهذا القطاع وتبني المواهب الناشئة، وشهد مهرجان دبي للألعاب والرياضات الإلكترونية والرقمية، في نسخته الرابعة قفزة في عدد المشاركين بنحو 17 ألف طالب.

فيما أكد عبدالله بن باز، المؤسس والرئيس التنفيذي ل«باز ستيشن»، أن بيئة الإمارات الاستثمارية تشكل أرضاً خصبة لنمو هذا القطاع، وقال محمد البسيمي، مؤسس منصة «ترو جيمنغ»: إن هذه السوق باتت اليوم الأكبر عالمياً، وأن منطقة الشرق الأوسط، خاصة الإمارات، تُعد من أكثر الأسواق الناشئة نشاطاً.
تُعد الألعاب الإلكترونية أحد أهم عناصر الاقتصاد الإبداعي، ولفت خبراء إلى أنه مع السينما يشكلان عنصرين متكاملين، وفي جلسة حوارية حول تأثير صناعة الأفلام والألعاب الإلكترونية على مستقبل الإعلام، ضمن فعاليات النسخة العاشرة من «منتدى الإعلام الإماراتي 2025» أكد المتحدثون أن السينما والألعاب الإلكترونية لم يعودا مجرد وسائل ترفيهية، بل أصبحا من بين الركائز الاستراتيجية للنمو الاقتصادي والتأثير الإعلامي والثقافي على الصعيد العالمي.
وقال خلفان بلهول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل: إن دبي تمتلك بنية تحتية وتشريعية تؤهلها لتكون وجهة عالمية لصناعة الألعاب الإلكترونية، مشيراً إلى التطور الكبير في أدوات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها في الحياة اليومية للأفراد، حيث بات الكثيرون حول العالم يعتمدون عليها بصورة كبيرة في مختلف المجالات.
فيما أشار عصام كاظم المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للتسويق السياحي والتجاري، إلى أهمية الألعاب الإلكترونية في الترويج للمعالم السياحية في دبي، بما يسهم في جذب شرائح جديدة من المسافرين حول العالم لزيارة الإمارة، بما يليق بمكانتها كواحدة من أبرز الوجهات على خريطة السياحة العالمية، وبطريقة تحافظ على هويتها وطابعها الفريد وتبرز إنجازاتها في مختلف المجالات.
التوسع المستقبلي
أطلقت دولة الإمارات رؤية طموحة وبرامج وخطط توسع مستقبلية، للسير نحو الريادة الإقليمية والعالمية في صناعة الألعاب الإلكترونية، وأعلن مكتب أبوظبي للاستثمار، عام 2024 دعمه لجهود شركة طماطم للألعاب، ونقل مقرها الرئيسي إلى أبوظبي التي تضم أكثر من 70 شركة متخصصة في تطوير المحتوى.
وعمل المكتب على عقد شراكات استراتيجية تتماشى مع توجهات العاصمة الساعية لترسيخ مكانتها كوجهة عالمية للابتكار والتكنولوجيا، وقال المدير العام: «يشهد قطاع الألعاب الإلكترونية في أبوظبي تطوراً هاماً، وبات يستقطب أبرز المطورين والناشرين وأميز المواهب، وسيؤدي التعاون مع رواد عالميين إلى مزيد من مقومات النمو والنجاح، إضافة إلى إثراء المحتوى العربي في الألعاب الإلكترونية».
وتتخصص شركة طماطم في تزويد مجتمع الألعاب العربي بألعاب قريبة من الثقافة المحلية، وهو خطوة مهمة على طريق ترسيخ هذه الثقافة، إذ نشرت حتى الآن أكثر من 50 لعبة شهدت أكثر من 150 مليون عملية تحميل. كما ستقوم بتوظيف أكثر من 40 متخصصاً للتطوير في أبوظبي، وستتعاون بشكل وثيق مع الجامعات المحلية لتوفير فرص توظيف وتدريب.
هدف دبي
تخطو إمارة دبي خطوات نحو تأكيد وجودها في قائمة أفضل 10 مراكز عالمية في القطاع خلال عشرة أعوام، وهو هدف أعلنه سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، عندما أطلق عام 2023 «برنامج دبي للألعاب الإلكترونية»، الذي يستهدف أيضاً توفير نحو 30 ألف وظيفة جديدة، والمساهمة في نمو الاقتصاد الرقمي والناتج الإجمالي للإمارة لنحو مليار دولار بحلول عام 2033.
أيضاً، تم إطلاق (فيزا دبي للألعاب الإلكترونية)، بهدف دعم أصحاب المواهب وصناع ورواد القطاع وتحفيزهم على تنمية وتطوير مهاراتهم.

وتحتضن الإمارة أكثر من 350 شركة تعمل في مجالات مرتبطة بهذه الألعاب، بينها 260 شركة متخصصة في التطوير، كما تحتضن المقرات الرئيسية لما فوق 65% من هذه الشركات، وتشكل كبرى الشركات التكنولوجية العالمية ما نسبته 12% منها.
التصميم والتطوير
بدأت عدة جامعات إطلاق برامج أكاديمية متخصصة في الألعاب الإلكترونية، وذلك لدعم جهود الدولة في هذا القطاع الإبداعي، حيث يوجد برنامج بكالوريوس في تصميم ألعاب الفيديو في جامعة أبوظبي، وبكالوريوس العلوم في تصميم وتطوير الألعاب الإلكترونية منها الجامعة الأمريكية في دبي.
وتجمع البرامج بين الجانب النظري والتطبيقي، حيث تغطي الجوانب الأساسية لتصميم الألعاب، ابتداءً من تصميم المراحل والميكانيكيات وصولاً إلى تطوير السرد وإنتاج الوسائط التفاعلية، حيث سيتقن الطلبة استخدام الأدوات الرائدة في القطاع، مثل Unity وUnreal Engine وAdobe Suite، إلى جانب إنشاء تجارب رقمية غامرة في مجالات الترفيه والتعليم والمحاكاة.
ورُوعي أن يكون تصميم المناهج وفقاً لأفضل الممارسات الدولية، مما يضمن إعداد الخريجين لمسارات مهنية ناجحة في صناعة الألعاب العالمية، فضلاً عن أن المشاريع التعاونية والتدريبات المهنية ومشاريع التخرج، ستكسب الطلبة خبرة عملية تعزز مهاراتهم في التواصل والقيادة وحل المشكلات. كما تدعم البرامج نمو مجموعة من المواهب من المهنيين المهرة استعداداً للوظائف المستقبلية في هذه المجالات.