تشهد إمارة أبوظبي تحولاً جذرياً في أساليب التفتيش والرقابة الميدانية، مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صميم العمل الحكومي والخدمي، لتتحول مهام التفتيش من جولات بشرية تقليدية إلى منظومات رقمية تعتمد على الروبوتات والطائرات المسيّرة والخوارزميات التحليلية، هذه التقنيات لا تراقب فقط، بل تتنبأ بالمخالفات قبل وقوعها، ما يجعل من «التفتيش الذكي» نموذجاً رائداً في دقة الأداء وسرعة الاستجابة ورفع كفاءة الخدمات.

وبينما تتجول روبوتات ذاتية الحركة في الحدائق والشوارع، وتتحرك آليات ذكية تحمل أنظمة تحكم وتحليل متطور لمتابعة المباني والسلامة العامة، تمتد الرقابة الذكية لتشمل أيضاً المنشآت الغذائية والأسواق الإلكترونية ضمن منظومة متكاملة تستهدف تعزيز جودة الحياة وسلامة المجتمع في العاصمة.

انطلاقاً من هذا التحول، التقت «الخليج» عدداً من المسؤولين والمختصين في الجهات المعنية بالتفتيش والرقابة الذكية في أبوظبي، للحديث عن أبرز المشاريع والأنظمة الجديدة التي غيّرت مفهوم العمل الميداني التقليدي، وأسهمت في تحقيق قفزة نوعية نحو التفتيش الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي.

وسط المساحات الخضراء والممرات المظللة وتحديداً في حديقة العائلة في أبوظبي، يتحرك روبوت صغير على شكل كلب آلي، يدور بانتظام حول المرافق العامة، يرصد الأصول ويقيس حالتها ويسجل ملاحظاته رقمياً، الكاميرات في عينيه تعمل كجهاز تفتيش متنقل، والمستشعرات الدقيقة تلتقط أي تغير في المشهد لتُرسل بياناتها مباشرة إلى غرفة المراقبة المركزية في بلدية أبوظبي.

ويُعد هذا الروبوت أداة ذكية لدعم المفتشين الميدانيين، إذ يسهم في رفع كفاءة الرقابة وكشف المخالفات بشكل فوري، من خلال مسحه الدقيق لمرافق الحدائق وتوثيقه لأي ملاحظات أو سلوكيات غير مطابقة للمعايير، ما يعزز جودة الخدمات وسلامة الزوار.

الرقابة الميدانية

وأكد سلطان الحميري، رئيس قسم الامتثال والرقابة بالإنابة، بدائرة البلديات والنقل في أبوظبي، أن الروبوت الذكي يمثل نقلة نوعية في مجال الرقابة الميدانية، إذ يؤدي مهام تفتيشية دقيقة تشمل رصد المرافق، ومتابعة السلوكيات العامة، وتوثيق الملاحظات والمخالفات والمفقودات.

وأوضح أن الروبوت مزود بمنظومة متكاملة من الكاميرات والمستشعرات والبرمجيات التحليلية، تتيح له إرسال تقارير فورية إلى الأنظمة المركزية، ما يضمن سرعة الاستجابة ودقة المتابعة.

وأشار إلى أن الروبوت قادر على رصد المفقودات، مثل الهواتف أو المحافظ وإبلاغ الجهة المختصة تلقائياً، مؤكداً أنه صمم ليعمل في مختلف الظروف المناخية ويتحمل درجات حرارة مرتفعة تصل إلى 55 درجة، مع إمكانية تشغيله في أوقات مختلفة من اليوم لضمان راحة الزوار وسلامتهم.

ولفت إلى أن التجربة تمهد لتوسيع استخدام هذه التقنية في مختلف المرافق العامة، ضمن توجه أبوظبي نحو تبني حلول التفتيش الذكي، وتحقيق استدامة البنية الخدمية، حيث إن الروبوت تم إطلاقه بحديقة العائلة في أبوظبي ضمن المرحلة الأولى من المشروع، موضحاً أن المشروع سيشهد توسّعاً في عام 2026 ليشمل معظم حدائق إمارة أبوظبي.

كما أكد أن من أبرز مهام الريبوت القيام بجولات ميدانية في الحديقة للتأكد من أن حالة الأصول والمرافق العامة سليمة، وفي حال رصد أي تشوهات أو أعطال يتم تحويلها مباشرة إلى نظام الرقابة والتفتيش، ليقوم القطاع المختص باتخاذ الإجراء اللازم بشأن الصيانة أو التعديل.

تفتيش ذكي للمباني

عمليات التفتيش الذكي تتوسع لتشمل قطاعات ومناطق عديدة، وامتدت جزيرة الجبيل، حيث تم إنجاز تفتيش ذكي رسمي لمجموعة من الفلل في الجزيرة، بالتعاون مع دائرة البلديات والنقل في أبوظبي، ما يشكل محطة بارزة في مسيرة التحول الرقمي وتبني حلول الابتكار في القطاع. وانتهت عملية التفتيش، التي تميزت بالكفاءة والسلاسة، بإصدار شهادات إتمام البناء، ما يعكس فعالية النظام الذكي في تسريع الإجراءات ورفع مستوى الدقة، متوافقاً مع الرؤية الاستراتيجية لحكومة أبوظبي وحرصها على تعزيز مكانة الإمارة كرائدة في مجال المدن الذكية المستدامة.

آلية رعد

على الجانب الآخر، وفي ميدان السلامة العامة، تقود هيئة أبوظبي للدفاع المدني، مشروعاً تقنياً متطوراً يجسّد مفهوم التفتيش الذكي في أرقى صوره، داخل شوارع المدينة، تتحرك آلية مجهزة بأنظمة تحكم وتحليل تعمل بالذكاء الاصطناعي، تجمع بين المراقبة الميدانية والاستجابة السريعة للحوادث في منصة واحدة تحمل اسم «رعد» (RAAD).

الآلية لا تنتظر وقوع الحدث، بل تتجول استباقياً لتفحص المباني والواجهات، وتقرأ رموز QR المخصصة لتقييم مدى الالتزام بمتطلبات السلامة، وفي حال رصد مؤشرات خلل، يخرج روبوت من خلف الآلية على هيئة «كلب» للتفتيش الذاتي، ويدخل المباني ويجمع البيانات ويرسلها مباشرة إلى غرفة القيادة والسيطرة.

طائرة مسيرة

وقال الرائد مهندس علي حسن المدفعي، مدير مشاريع الحلول المتقدمة والتقنيات الناشئة في هيئة أبوظبي للدفاع المدني: إن آلية «رعد» ترمز إلى Reconnaissance، Autonomy، Analytics، Directive، وتشكل منظومة متطورة للقيادة والسيطرة.

وأوضح أن الآلية تتجول في شوارع مدينة أبوظبي، في حال عدم وجود حوادث، وتقرأ البيانات من المباني عبر تقنيات QR Code للتأكد من مدى استيفائها للاشتراطات أو الحاجة إلى التفتيش، وفي حال تبين وجود مخالفات يمكن توظيف «المفتش الآلي الذاتي» (الروبو دوغ) الذي يخرج من الآلية من الخلف ويدخل المبنى لإجراء عمليات التفتيش والمسح بشكل تلقائي، ورصد أي مخالفات مع عرض البيانات مباشرة على شاشة القيادة والسيطرة.

وأشار إلى أن الآلية تُطلق الطائرة المسيّرة من المركبة، عند وقوع الحوادث لتوفير رؤية شاملة لموقع الحدث، ما يساعد في توزيع الكوادر ورفع كفاءة الاستجابة، ومراقبة رجال الإطفاء في الميدان لضمان سلامتهم، إضافة إلى إمكانية طلب الدعم الميداني عند الحاجة.

وبيّن المدفعي، أن المنصة تتيح مراقبة عدة حوادث في وقت واحد، ومعرفة حالة المضخات ومستوى المياه فيها لتجنّب المفاجآت أثناء العمليات، حيث يتم إرسال الدعم تلقائياً عند انخفاض المستوى، كما تحتوي الآلية على أنابيب جانبية تضم طائرات «درون» تُطلق في الهواء لتحديد مصدر النار وتفجير عبوات بودرة تساعد في إخمادها بشكل استباقي في تجربة نوعية غير مسبوقة في الميدان.

الرقابة المرئية

وفي سياق توظيف الذكاء الاصطناعي في أعمال التفتيش، امتدت الرقابة الذكية لتشمل القطاع الغذائي، حيث تعمل هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية على تطوير أنظمة متقدمة للرقابة الميدانية عبر تقنيات الرصد والتحليل الذكي، لضمان سلامة الغذاء واستدامة سلاسل الإمداد في الإمارة.أكدت مريم البندري، مفتش رئيسي في هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية، أن مشروع «الرقابة المرئية» الذي أطلقته الهيئة يُعد من أبرز المبادرات الذكية في الإمارة، ويعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة وإنترنت الأشياء، بهدف مراقبة المنشآت الغذائية بصورة مستمرة على مدار الساعة.

غياب المفتش

وأوضحت أن المنصة تهدف إلى ضمان التزام المنشآت الغذائية بالممارسات السليمة، حتى في غياب المفتش الميداني، كما تم تصميم خوارزميات خاصة قادرة على تحليل الصور ورصد أكثر المخالفات تكراراً في الإمارة، مثل عدم ارتداء أغطية الرأس أو القفازات أثناء تداول الأغذية، أو رصد وجود الحشرات أو عامل مريض داخل المنشأة.

وأضافت أن النظام الذكي يعتمد على تقنية تعليم الآلة في قراءة الإشارات والسلوكيات داخل المنشأة، وتحديد مدى مطابقتها لاشتراطات السلامة، حيث ترسل الكاميرات إشعارات فورية إلى غرفة العمليات المركزية في مبنى الهيئة، ليتم التحقق من المخالفة ومعالجتها في الزمن الحقيقي قبل اعتمادها في النظام الرقابي.

المنشآت البعيدة

وبينت مريم البندري أن المشروع طُبّق فعلياً على 23 منشأة غذائية و10 مركبات نقل، ويجري العمل على توسيع نطاقه مستقبلاً ليشمل المنشآت البعيدة في الجزر والمناطق التي يصعب الوصول إليها، لتوفير رقابة دائمة من دون الحاجة إلى إرسال مفتش فعلي إلى الموقع. وأكدت أن الهدف من المشروع ليس استبدال المفتش البشري، بل توظيف التقنيات الحديثة لدعمه وتسهيل عمله، بحيث يتمكن من التركيز على المخالفات الجوهرية بدلاً من المهام الروتينية، موضحة أن الكاميرات تعمل على مدار الساعة بالتسجيل والبثّ المباشر، مع الحفاظ الكامل على خصوصية المنشآت وبياناتها، التي لا يمكن الاطلاع عليها إلا من خلال الهيئة.

وأشارت إلى أن المنصة أسهمت في تعزيز وعي أصحاب المنشآت الغذائية وتحسين أدائهم التشغيلي، حيث بات بإمكانهم الاطلاع على الملاحظات الفورية واتخاذ الإجراءات التصحيحية المباشرة، ما يرفع من مستوى الالتزام ويُحسن جودة الخدمات.

كما أكدت أن إدخال الذكاء الاصطناعي في منظومة الرقابة والتفتيش لا يُغني عن المفتش، بل يُمكّنه ويدعمه في أداء مهامه بدقة وكفاءة أعلى، حيث إن الجمهور يُعد شريكاً فاعلاً في دعم منظومة السلامة الغذائية من خلال بلاغاتهم وملاحظاتهم التي تُسهم في رفع الوعي وتعزيز الثقة في الرقابة الذكية داخل الإمارة.

رقابة الأسواق الرقمية

ويعمل مجلس أبوظبي للجودة والمطابقة على إدخال الذكاء الاصطناعي في منظومة التفتيش لتعزيز جودة المنتجات ورفع كفاءة الرقابة على الأسواق، ويأتي هذا التوجه ضمن جهود المجلس للارتقاء بمنظومة السلامة وضمان خلو الأسواق من المنتجات الممنوعة أو غير المطابقة للمواصفات.

وأكد عبدالله الخوري، المدير التنفيذي لقطاع خدمات الأسواق والمستهلكين في مجلس أبوظبي للجودة والمطابقة، أن المجلس طور منظومة رقابية مبتكرة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لمتابعة المنتجات المسحوبة عالمياً وإقليمياً، والتأكد من منع تداولها في أسواق الإمارة ومواقع البيع الإلكترونية. وأوضح أن المنظومة تعتمد على مسح وتحليل قواعد بيانات المنتجات المسحوبة بشكل مستمر، ومقارنتها بالمنتجات المعروضة عبر مواقع البيع الإلكترونية لرصد أي تطابق محتمل مع تلك التي تم سحبها من الأسواق وعند اكتشاف أي حالة تطابق، يتم إشعار فرق التفتيش التابعة للمجلس تلقائياً لاتخاذ الإجراءات اللازمة بسرعة ودقة.

وأشار الخوري إلى أن هذه المنظومة تسهم في رفع كفاءة التفتيش الميداني وتقليل زمن الاستجابة، إضافة إلى توسيع نطاق الرقابة ليشمل الأسواق الرقمية، بما يعزز من جودة الحياة وسلامة المستهلكين.

وذكر أن المشروع يشكّل نقلة نوعية في تطوير أدوات التفتيش الذكي، ويدعم رؤية أبوظبي في تطبيق أنظمة رقابية متكاملة تواكب التحول الرقمي وتضمن سلامة المنتجات واستدامة الأسواق.