هناك أشخاص لا يكتفون بأن يمرّوا في الحياة، بل يتركون فيها ممرات مضيئة تبقى بعد رحيلهم شاهدة على قيم حملوها، ومبادئ عاشوا لها.
ومع كل يوم الرابع والعشرين من نوفمبر، تحل الذكرى التاسعة لرحيل الفريق خميس مطر المزينة، اسم لا يزال يعيش بيننا بقوة، ليس بوصفه قائداً عاماً سابقاً لشرطة دبي فحسب، بل واحداً من الرجال الذين سجّلوا حضوراً لا يخبو في ذاكرة الوطن وأهله. فقد مضى، رحمه الله، لكن أثره ما زال ممتداً، وكلماته، ومواقفه، وإخلاصه ما زالت تروي حكايته في كل ركن من أركان المؤسسة الشرطية التي أحبها وأفنى عمره فيها.
تحرص جريدة «الخليج» كل عام على استذكار هذه السيرة الاستثنائية، تكريماً لرموزٍ آمنوا بأن خدمة الوطن شرف ومسؤولية، وأن البذل هو الطريق الأقصر نحو الخلود المعنوي. وما هذه السطور إلا محاولة لردّ جزء يسير من وفاء رجلٍ مُلهم، وقف حياته كلها على الأمن، والإنسان، والوطن.
وُلد خميس مطر المزينة، في أسرة كبيرة تضم ستة إخوة وأختاً، في بيئة تشرّب منها الانضباط والالتزام منذ الصغر، فوالده القبطان في ميناء راشد، كان بحّاراً ماهراً، يتقن العمل في مياه البحر كما يتقن دور المربّي، صحبه طفلاً في رحلاته البحرية والصيد، فكبر خميس على حب البحر، وعلى فهم قيمة الجهد، والصبر، والمسؤولية وهذه الجذور الأولى هي التي شكّلت شخصيته لاحقاً في ميادين العمل الأمني.
أكمل دراسته الثانوية في دبي، ثم اتجه إلى جامعة الإمارات في العين، ليحصل عام 1983 على البكالوريوس. في العام ذاته، تقدّم بطلب الانضمام إلى شرطة دبي، الحلم الذي عاش معه منذ طفولته، وفي عام 1985 تزوّج ورُزق بثلاثة أبناء: محمد ومي ومها، وبقي وفياً لوالده حتى بعد وفاته، فبنى مسجداً يحمل اسمه «مطر خميس المزينة»، وافتتحه بيده في 25 شعبان 1437ه.
ومنذ أن دخل خميس المزينة، مركز شرطة القصيص عام 1983 لتقديم طلب الالتحاق، بدأ مساراً مهنياً لم يلتفت فيه إلى الخلف. تدرّب في المباحث الجنائية، والتحق بالدوريات، وخاض مسارات مختلفة في العمل الميداني، حتى تخرّج برتبة ملازم ثانٍ، وتم تثبيته في المباحث الجنائية حيث لمع اسمه بوضوح.
وفي 28 مايو 1989 رُقّي إلى رتبة نقيب ميداني، لينتقل لاحقاً إلى الرقابة الجنائية، وهناك أسس قسم المعلومات وتولى إدارته، قبل أن يُرقّى إلى رتبة رائد عام 1992. وفي يونيو 1993 عُيّن ضابطاً لمكافحة المخدِّرات، ثم مديراً لإدارة التحريات والمباحث الجنائية في 24 أغسطس 1997. وفي 1999 أصبح نائب مدير الإدارة العامة للبحث الجنائي، إلى أن أصدر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مرسوماً بتعيينه مديراً للإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية، لحنكته المهنية وقدرته على قيادة الملفات الأمنية المعقدة.
وفي 23 نوفمبر 2013، أصدر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، مرسوماً بتعيينه قائداً عاماً لشرطة دبي، ومن ثم رُقي إلى رتبة فريق في 3 يوليو 2016، تثميناً لعطائه وإنجازاته المتميزة.
في مرحلة شهدت تطوراً نوعياً في إدخال التقنيات المتقدمة، وتعزيز منظومة الأمن، وتوسيع وحدات العمل التخصصية، كان عضواً في المجلس التنفيذي لإمارة دبي، ورئيساً ل17 لجنة وفريق عمل.
نموذج في الانضباط
لم يكن الفريق خميس المزينة قائداً عادياً، بل كان نموذجاً في الانضباط والالتزام والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص تطوير. عُرف بدقته في المتابعة، وحضوره الميداني، واهتمامه بأصغر التفاصيل. ورغم ما عاناه من أزمات قلبية، ظل على رأس عمله، يحضر قبل الجميع، ويغادر بعدهم، إيماناً منه بأن أمن المجتمع مسؤولية لا تقبل التأجيل. وقد نال تقديراً كبيراً من القيادة، فرفعه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد من رتبة لواء إلى رتبة فريق. ولأن الرجال الكبار لا يُنسون، خلدت شرطة دبي اسمه بإطلاق تسمية «مسجد القيادة» عليه، فضلاً عن «مجلس خميس المزينة» في مركز شرطة بر دبي، تكريماً لدوره، وتأكيد أن البصمات التي يتركها الإنسان في حياة الآخرين أثمن من أي منصب أو لقب.
إرث من الانضباط
خلّف الراحل الفريق خميس مطر المزينة، بصمة لا تُمحى في نفوس زملائه في الميدان الشرطي، رؤساء كانوا أم مرؤوسين، فقد ترك لهم إرثاً من الانضباط والإخلاص والعمل الصادق. وقد تجلّى هذا التقدير العميق في حرص الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، على مرافقة جثمان خليفته في قيادة الشرطة إلى مثواه، في مشهد يعكس وفاء القادة لبعضهم، واحترام المؤسسة لرجلٍ قدّم لها الكثير.
محبة واسعة
نال الفريق خميس مطر المزينة، محبة واسعة وتقديراً كبيراً من كل من عمل معه أو تعامل مع منظومة شرطة دبي، إذ عُرف بقربه من الناس، وبحِرصه على أن تكون خدمة المتعامل أولوية لا نقاش فيها. وتمكّن، بحكمة ودقة، من ترجمة رؤية دبي للتحول إلى حكومة ذكية، فقاد نقلة نوعية في الخدمات الأمنية عبر إطلاق واحد من أكثر التطبيقات تطوراً، ليصبح الوصول إلى خدمات شرطة دبي أمراً لا يتجاوز ضغطة زر.
وتوازى هذا التحول الرقمي مع إدخال تقنيات متقدمة في مجالي الوقاية من الجريمة ومكافحتها، إلى جانب مبادراته للحدّ من الحوادث المرورية الجسيمة. ولم يكن المزينة قائداً مكتبياً، فقد ظل في قلب الميدان، يقود فرق العمل في أهم القضايا التي شهدتها الإمارة، ويتابع التفاصيل بنفسه رغم ثقل مسؤولياته الإدارية.
أزمة قلبية
وودّع الفريق خميس المزينة الحياة إثر أزمة قلبية، وهو على رأس عمله، ليترك وراءه إرثاً كبيراً من المبادرات الأمنية، والبصمات الوطنية، ومسيرة من العمل المخلص الذي سيظل محفوراً في ذاكرة شرطة دبي والمجتمع الإماراتي بأسره.