مع تصاعد الحرب الأهلية الكارثية بين سلطة بورتسودان وقوات الدعم السريع، وما تلاها من فوضى أمنية، وانهيار اقتصادي واجتماعي، شكلا معاً أكبر أزمة إنسانية في العالم، تنامت المطالبات الدولية بإبعاد جماعة «الإخوان» الإرهابية عن الحياة السياسية، باعتبارها أحد الجذور الأساسية للصراع والتي أسقطت البلاد في أتون حرب طاحنة، جاءت بعد ثلاثة عقود من حكمها، ذاق فيها السودانيون الأمرين.

وقف فوري للنار وإقصاء الكيزان

وتتزامن الدعوات المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار بمناشدات داخل السودان وخارجه، بإنقاذ مستقبل البلاد من الكيزان كما يطلق عليهم شعبياً، وبدء عملية انتقال سياسي شامل لتشكيل حكومة مدنية، بعيداً عن الجماعة المتطرفة التي تحكم البلاد منذ أواخر الثمانينات، وتصنيفها عالمياً «إرهابية» بكل فروعها، وذلك بهدف إنهاء النفوذ السياسي للحركة، ودورها المقوض لجهود السلام والاستقرار، عبر خطابها المعتمد على نشر الإرهاب الكراهية، والإبقاء على النظام القديم بترسانة أيديولوجية تنتهج التغوّل والنهب والتقسيم في مقدرات الشعب السوداني ومصيره.

مقترح أمريكي يقتلع «الإخوان» من الجيش


وفي أحدث موقف خانق لجماعة «الإخوان» الإرهابية، تكشفت تفاصيل جديدة بشأن بنود المقترح الأمريكي لوقف الصراع في السودان، الذي قدّمه مسعد بولس المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب، إلى طرفي النزاع، متضمناً خريطة طريق عبر ثلاثة مسارات: عسكرية وإنسانية وسياسية، ملزمة بإخراج تنظيم الإخوان الإرهابي من صفوف الجيش.


ويهدف المسار العسكري إلى وقف إطلاق النار، وفتح الباب أمام عملية إنسانية تسمح بتدفق المساعدات وإيصال الإغاثة، واستئناف الخدمات في كل أنحاء السودان.

ويدعو المقترح إلى تشكيل لجنة دولية للإشراف على وقف إطلاق النار، وآليات المراقبة على الأرض، لضمان تأمين المسارات الإنسانية، وحماية المدنيين، والعودة الآمنة للنازحين، والتعامل مع أيّ خروقات طارئة لوقف القتال.


وبخصوص المسار السياسي، يطالب بعملية سياسية تقودها القوى المدنية، بعيداً عن عناصر النظام القديم والمتطرفين، وتبدأ بمناقشة قضايا الانتقال، ودعم المسار الإنساني بمجرّد الموافقة على الهدنة.


وينص المقترح على عملية إصلاح عسكري شامل، يقضي بإخراج عناصر الإخوان من الجيش والأجهزة الأمنية في إطار عملية إصلاح كاملة، وإعادة هيكلة.

لحماية الكيزان مساعد البرهان يهدد بالانقلاب


وعلى الرغم من الرفض العالمي والإقليمي والشعبي الكاسح لدور «الإخوان» في تشكيل مستقبل السوداني، وتأكيد نظام البرهان، أن الحرب الحالية لمنع تفكيك الدولة السودانية و«إنهاء التمرد»، تجد الجماعة المتطرفة ورموزها حماية وغطاء من نظام البرهان، الذي يتمسك بوجودها في مؤسسات الدولة والمجتمع، وسمح لها لها بإعادة نتاج نفسها عبر واجهات مدنية ودعوية لتُبقي البلاد تدور في فلك الصراع وتقضي بذلك على آمال السودانيين في التحول الديمقراطي.


ولم يخفي نظام البرهان ارتباطه لـ«الكيزان» طمعاً في السيطرة على الحكم، إذ أثار نائب قائد الجيش السوداني، الفريق ياسر العطا، جدلاً واسعاً، قبل يومين بعدما هدد بالتدخل عسكرياً والقيام بانقلاب حتى بعد خروجه من الخدمة إذا وصلت القوى المدنية الرافضة للحرب والمتخوفة من تغلغل نفوذ تنظيم «الإخوان» الإرهابي، إلى السلطة عبر انتخابات مستقبلية.


واستنكر العطا في مؤتمر شعبي مخاوف قوى «الحرية والتغيير» من نفوذ تنظيم «الإخوان» الإرهابي وسط المؤسسة العسكرية، وعودة عناصر النظام السابق التي باتت مرفوضة وسط الشارع السوداني. وقال العطا في تصريحاته المتداولة: إنّه في حال تقاعده بعد 10 أو 15 عاماً، وأُجريت انتخابات فازت بها قوى المعارضة المدنية، فإنه «قد يعود من المعاش لتنفيذ انقلاب».


ورغم المطالبات بهدنة إنسانية، شدد العطا على رفض كل الدعوات وتعهد بإطلاق عملية عسكرية خلال أيام في جميع الجبهات لتحرير كل شبر من البلاد، موضحاً أن مركز الدولة العسكري سينتقل إلى كردفان.

قرقاش: لا يمكن للجماعات المرتبطة بالإخوان تحديد مستقبل السودان

ومنذ اندلاع الصراع، تتمسك دولة الإمارات بالدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنقاذ المدنيين بشكل عاجل، مع إدانة طرفي الحرب عن الانتهاكات الجسيمة، وإقصاء «الإخوان»، وكافة الجماعة المتطرفة المرتبطة بها عن المشهد السياسي السوداني الحالي.


وأكد الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، الثلاثاء الماضي أنه «لا يمكن للجماعات المتطرفة العنيفة المرتبطة أو ذات الصلة الواضحة بجماعة الإخوان المسلمين أن تحدد مستقبل السودان».


وقال قرقاش، إن «الادعاءات الكاذبة والمعلومات المضللة لن تثنينا عن مواصلة العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لإنهاء الحرب في السودان». وشدد على أن لا حل عسكرياً للحرب في السودان، مرحباً في الوقت نفسه بالقيادة الأمريكية وجهودها لإنهاء الفظائع في السودان المتهم فيها كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

خريطة طريق الرباعية

من جهتتها، وضعت الرباعية الدولية التي تضم الإمارات ومصر والسعودية والولايات المتحدة في سبتمبر أيلول الماضي خريطة طريق تنص على أن مستقبل حكم السودان يقرره شعبها من خلال عملية انتقالية شاملة تتسم بالشفافية، ولا يخضع لسيطرة أي طرف متحارب، كما لا يمكن أن تشكله الجماعات المتطرفة العنيفة التي تنتمي أو ترتبط بشكل موثق بجماعة«الإخوان»، التي أدى نفوذها المزعزع للاستقرار إلى تأجيج العنف وعدم الاستقرار في المنطقة.


وطالب بيان الرباعية الدولية الطرفين المتحاربين بهدنة إنسانية، لثلاثة أشهر بصفة أولية، لتمكين الدخول السريع للمساعدات الإنسانية إلى أنحاء السودان، بما يؤدي بشكل فوري إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم يتم إطلاق عملية انتقالية شاملة تتسم بالشفافية وإبرامها في غضون تسعة أشهر لتلبية تطلعات الشعب السوداني نحو إقامة حكومة مستقلة بسلاسة بقيادة مدنية تتمتع بشرعية ومسؤولية واسعة النطاق.

ترامب يأمر بدراسة تصنيف «الإخوان» منظمة «إرهابية أجنبية»

ومع استمرار التمسك بالحل العسكري من جانبي الصراع، وتغييب أي تسوية سياسية تطفئ نار الحرب المستعرة، تجد الجماعة المتطرفة تسهم في عرقلة جهود التحول الديمقراطي، بتأجيج الحرب الحالية وإطالة أمدها، لتضمن بذلك البقاء في السلطة، واستمرار الوضع الراهن بكل تداعياته الكارثية، ومعاناة عشرات الملايين، إضافة إلى تهديدها السلم والأمن في المنطقة، فقررت على إثرها الولايات المتحدة التدخل بقوة للعمل على «إسكات البنادق»، فوقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاثنين، أمراً تنفيذياً يقضي بدراسة تصنيف جماعة «الإخوان» كمنظمة «إرهابية أجنبية»، لدورها في تغذية الإرهاب، ودعم العنف وحملات زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي قوبل في الشارع السوداني بترحيب كبير، إذ يعتمد التحول المدني الديمقراطي على إنهاء وجود الجماعة وفروعها داخل السودان، وذلك بعدما اخترقت مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وبنت شبكات مالية داخل وخارج السودان لتمويل عملياتها.


قرار دونالد ترامب ألزم وزارتي الخارجية والخزانة بتقديم تقرير خلال 30 يوماً، ما يفتح الباب أمام تجميد أصول الجماعة، حظر أنشطتها، وفرض القيود على دعمها المالي أو السياسي على الصعيد الدولي، في خطوة ستشكل ضربة قاصمة للتنظيم الدولي للجماعة، ويعطي دفعة لمطالب التحول المدني والديمقراطي بعيداً عن أيديولجيتها المتطرفة.

البرلمان الأوروبي: الصراع في السودان أسوأ كارثة إنسانية في العالم

وفي تصاعد للرفض الدولي للحرب الأهلية في السودان، دان البرلمان «بأشد العبارات الانتهاكات الجسيمة والمنهجية للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، التي ترتكبها كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية'.


وقال أعضاء البرلمان الأوروبي في قرارٍ اعتمد بأغلبية 503 أصوات مؤيدة، مقابل 32 صوتاً معارضاً وامتناع 52 عضواً عن التصويت، إن «الهجمات العشوائية ضد المدنيين، والعنف الموجه ضد الأقليات العرقية، والعنف الجنسي، والتعذيب، وأساليب التجويع المتعمد، واستخدام الأطفال كجنود، والهجمات على المستشفيات والمرافق الإنسانية، والتجويع المتعمد للمدنيين، قد تشكل أعمال إبادة جماعية».


وأعرب البرلمان الأوروبي عن «قلقه العميق إزاء التدهور المقلق للأزمة الإنسانية في السودان، مع تأكيد وجود مجاعة في أجزاء من البلاد». وأشار إلى أن «الصراع يؤجج أسوأ كارثة إنسانية في العالم».


وأعلن أعضاء البرلمان الأوروبي دعمهم القوي لجهود الاتحاد الإفريقي والشركاء الإقليميين لتسهيل عملية السلام، داعين جميع الأطراف إلى الانخراط في حوار هادف لإنهاء الصراع، وإرساء الانتقال إلى حكم ديمقراطي مدني.

الإمارات ترحب بقرار البرلمان الأوروبي

ورحبت لانا نسيبة، وزيرة دولة، بقرار البرلمان الأوروبي الذي دان بشدة العنف الذي يرتكبه طرفا الحرب المأساوية في السودان، معرباً عن دعمه لمبادرة المجموعة الرباعية لإنهاء الصراع.

إنهاء الفظائع في السودان

وقالت لانا نسيبة، في بيان، إن هذا الموقف الأوروبي جاء في الوقت المناسب لدعم الجهود المبذولة لإنهاء الحرب في السودان، وأكدت أن تضافر الجهود الإقليمية والدولية أمرٌ أساسيٌّ لإنهاء الفظائع في السودان و«الآن هو وقت العمل»، مشددة على التزام دولة الإمارات الراسخ بدعم جميع المساعي الرامية إلى معالجة هذه الحرب الأهلية الكارثية، والعمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك في أوروبا، لضمان الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب السوداني.

خريطة طريق لإنهاء الحرب


وأشارت لانا نسيبة إلى أن البرلمان الأوروبي أيد في قراره عمل الرباعية باعتبارها «صيغة الوساطة» لحل هذا النزاع. وصرحت بأن البيان الرباعي المشترك يمثل خطوة تاريخية نحو وقف القتال وإنهاء هذه الحرب الأهلية، ويحدد خريطة طريق واقعية، تبدأ بهدنة إنسانية، يليها انتقال إلى حكم مدني مستقل عن الطرفين المتحاربين. وأشارت إلى أن «الرباعية» أكدت بوضوح أن مستقبل السودان لا يمكن أن تمليه الجماعات المتطرفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، أو التي يبدو أنها على صلة بها. وأكدت: «وحدها حكومة مستقلة بقيادة مدنية ستكون قادرة على إصلاح مؤسسات السودان وتحرير البلاد من التطرف».

الإمارات تدين انتهاكات طرفي الحرب

وأضافت لانا نسيبة: «نواصل إدانتنا الشديدة للانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الطرفان المتحاربان، قوات الدعم السريع و«سلطة بورتسودان». لقد تسبب سلوكهما في معاناة عميقة وقوّض مستقبل السودان. إن الوقف الفوري للحرب وجميع أعمال العنف أمرٌ ضروري». كما جددت تأكيدها أن موقف الإمارات واضح، وينص على ضرورة وقف إطلاق نار فوري وغير مشروط، ووصول إنساني غير مقيد إلى جميع أنحاء السودان، عبر جميع الطرق والممرات المتاحة. ولطالما كانت جهود الإمارات إنسانية في المقام الأول، ما يعكس التزامنا الراسخ بتقديم الإغاثة للشعب السوداني.

الدعم الإنساني الإماراتي


ووفقاً لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، قدمت الإمارات 784 مليون دولار أمريكي كمساعدات إنسانية، ما يجعلها ثاني أكبر مانح للسودان، بعد الولايات المتحدة، منذ بدء النزاع، وأكبر مانح لعام 2025.