في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في أساليب الردع والقتال، كشفت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) عن تشكيل قوة مهام جديدة لأول سرب طائرات مُسيّرة هجومية أحادية الاتجاه، تحت مسمى قوة مهام سكوربيون سترايك (TFSS)، وذلك بعد أربعة أشهر من توجيه وزير الحرب بيت هيغسيث بتسريع عملية اقتناء ونشر تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة بكلفة منخفضة.
وقامت قوة المهام الجديدة بتشكيل سرب من طائرات مُسيّرة منخفضة الكلفة من طراز نظام الهجوم القتالي بدون طيار لوكاس (LUCAS)، والتي تتميز بمدى واسع، ويمكن إطلاقها بآليات مختلفة، بما في ذلك الآلية المسماة المنجنيق/ المقلاع، والإقلاع بمساعدة الصواريخ، وأنظمة أرضية ومركبات متنقلة.
التصميم وتطوير القدرات
جاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي في مبنى الكابيتول، حيث شكل الجيش الأمريكي الوحدة للنشر في الشرق الأوسط، وعرضت طائرة مسيرة عسكرية جديدة تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد 136»، بحسب وول ستريت جورنال ولكنها مصممة ومصنعة في الولايات المتحدة. وهذا التطور يمثل نهجاً جديداً للبنتاغون، يستلهم تكتيكات الخصوم ويعيد توظيفها، فقد اعتمدت الولايات المتحدة على «الهندسة العكسية».
تم تطوير النظام الجديد، المُسمى FLM 136 والمعروف أيضاً باسم «لوكاس»، من قبل شركة «سبيكتر ووركس» الدفاعية الأمريكية في أريزونا. والطائرة هي نتاج عملية هندسة عكسية دقيقة.
ويبلغ باع جناحي الطائرة أكثر بقليل من 8 أقدام. والأهم أنها «ذاتية التشغيل تماماً»، حيث تعمل بأدنى حد من التدخل البشري، وتعتمد على أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي للوصول إلى أهدافها. ووفقاً للشركة المصنعة، يمكنها الطيران لمدة تصل إلى ست ساعات.
وتبلغ كلفة الوحدة الواحدة من طائرة لوكاس (FLM 136) حوالي 35000 دولار فقط، وفقاً للنقيب تيم هوكينز، المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
ويرى خبراء أن الفجوة السعرية الهائلة مقارنة بالمسيّرة «ريبر» التي تزيد على 450 ضعف كلفة الطائرة الجديدة، والمقدرة بنحو 16 مليون دولار، تجعل من الصعب اقتصادياً اعتراضها، إذ إن كلفة الصواريخ المستخدمة لإسقاطها قد تفوق بكثير ثمن الطائرة المسيّرة نفسها.
مبادرة «هيمنة الطائرات المسيّرة»
مع تنامي فعالية الأسلحة الرخيصة والمتاحة بكثرة، سعى البنتاغون لإعادة تقييم أولوياته. فبدلاً من الاعتماد الكلي على أنظمة معقدة وباهظة الثمن تستغرق سنوات للتطوير والنشر، مثل طائرة «ريبر» (MQ-9 Reaper)، يتجه الآن نحو أنظمة «قابلة للاستهلاك» ومنخفضة الكلفة يمكن إنتاجها ونشرها بسرعة.
يتماشى هذا التوجه مع مبادرة وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الرئيسية، المسماة «هيمنة الطائرات المسيّرة»، والتي أعلن عنها في يوليو الماضي. وتهدف المبادرة إلى تسريع وتيرة بناء ترسانة البنتاغون من الطائرات المسيّرة الهجومية الصغيرة والرخيصة، عبر تقليص البيروقراطية في نظام الشراء العسكري، وتعزيز التصنيع المحلي للطائرات المسيرة.
أما الهدف الطموح، وفقاً للمبادرة، فيتمثل في تسليح كل وحدة من وحدات الجيش الأمريكي بطائرات مسيّرة هجومية صغيرة أحادية الاتجاه بحلول نهاية السنة المالية 2026.
فرقة العمل المشتركة
ولتسريع وتيرة الابتكار والنشر، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية قبل أقل من ثلاثة أشهر عن تشكيل فرقة عمل مشتركة جديدة، بقيادة رئيسة قسم التكنولوجيا جوي شانبرغر، التي صرحت في سبتمبر أن الهدف النهائي هو القدرة على نشر قدرات تكنولوجية جديدة كل 60 يوماً، مع توقع تحقيق هذا الهدف بحلول ديسمبر 2026.
وقالت شانبرغر: «في ظل القيادة الحالية، ونتيجة للحرب في أوكرانيا إلى حد ما، أعتقد أن الناس بدأوا يدركون حقاً ضرورة القدرة على التحرك بوتيرة تتحرك بها التكنولوجيا وكذلك خصومنا». وأضافت أن أحد أهداف فرقة العمل هو «محاولة تعويض خسارة طائرات MQ-9 Reaper باهظة الثمن بأنظمة رخيصة وقابلة للاستهلاك».
عصر المنافسة التكنولوجية
ترى الخبيرة في شؤون الطائرات المسيّرة، كايتلين لي، مديرة سياسة الاستحواذ والتكنولوجيا في مؤسسة راند، أن ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم هو جزء من ظاهرة أوسع. ففي الماضي، واجه خصوم مثل الصين صعوبة في تقليد التقنيات المعقدة مثل أنظمة الدفع الأمريكية للطائرات المقاتلة. ولكن اليوم، سهلت الإلكترونيات التجارية المتاحة على نطاق واسع عملية الهندسة العكسية للطائرات المسيرة الصغيرة الأقل تعقيداً.
وأوضحت لي: «في الحرب الأوكرانية، قام كل طرف بهندسة عكسية لطائرات الطرف الآخر بدون طيار، بالاعتماد على معدات وبرمجيات تجارية. نتوقع أن نشهد المزيد من الهندسة العكسية لتكنولوجيا الطائرات بدون طيار في المستقبل». وأشارت إلى أن الجيش الأمريكي كان يقتصر في السابق على استخدام الهندسة العكسية لتطوير أهداف تحاكي أسلحة العدو، لكن المنافسة الجديدة تتطلب نهجاً أكثر جرأة.
يُمثل نشر سرب «سكوربيون سترايك» علامة بارزة على تحول استراتيجي عميق داخل البنتاغون. فهو ليس مجرد إضافة سلاح جديد إلى الترسانة، بل تحول من التركيز على التفوق النوعي المطلق نحو قبول حلول عملية ومنخفضة الكلفة يمكن نشرها بسرعة وبأعداد كبيرة.