محمود حسونة
دوام الحال من المحال، عالمنا اليوم لا يقبل ولو قليلاً من الثبات، لا يستقر على حال، يحمل إلينا كل يوم جديداً، يفاجئنا من وقت لآخر بما يصدم الناس ويثير الدهشة والاستغراب، ففي خطوة طال انتظارها، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من وزيري الخارجية والخزانة بدء بحث تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية أجنبية، في خطوة من شأنها التمهيد لفرض عقوبات على هذه الفروع، وتقييد أنشطتها وملاحقة أعضائها ومصادرة أملاكها وأملاكهم.
القرار يُعد انقلاباً على الإدارات الأمريكية خلال عقود مضت، منذ أن احتضنت الأراضي الأمريكية أعضاء الجماعة الناقمين على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بعد محاولة اغتياله المعروفة بحادث المنشية، وازداد القرب بين واشنطن والإخوان بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، والتي أفرزت غضباً أمريكياً على العالم الإسلامي، وبدلاً من أن تنال الجماعة نصيبها من هذا الغضب خصوصاً وأنها أم الجماعات والتنظيمات التي مارست العنف ونشرت الإرهاب، إلا أنها استغلته بدهاء شديد لتقدم نفسها للإدارة الأمريكية على أنها تمثل الإسلام المعتدل القادر على مجابهة الإسلام المتشدد ممثلاً في تنظيمي «القاعدة» ثم «داعش»، ووقعت أمريكا في الفخ وبلغ القرب ذروته بالمساعي الأمريكية لتمكينها من حكم دول عربية بعد ما أسموها بثورات «الربيع العربي»، وهو ما نجحت فيه بأشكال متفاوتة.
لم تكن أمريكا مجرد مأوى لأعضاء الجماعة ولكنها كانت داعماً لهم، حيث استخدمتهم كدمى تحركها كيف تشاء لخلخلة استقرار بعض دول المنطقة، وهو الأمر الذي بلغ ذروته في فترتي حكم باراك أوباما، بعد أن تبنى أكاذيبهم وطرحهم لأنفسهم بأنهم الحل لأزمة الإسلام السياسي، حال مساعدتهم في الوصول للسلطة، وهو ما تحقق في أكثر من بلد عربي. وصل «الإخوان» للسلطة في مصر وفي تونس ولكنهم لم يستطيعوا الاستحواذ على الإرادة الشعبية التي اكتشفت حقيقتهم، وأسقطتهم من فوق كراسي الحكم إلى قاع السجون.
«الإخوان» في أمريكا كما في دول أخرى، لم يتقبلوا الإقامة هناك كضيوف، ولكنهم تغلغلوا اقتصادياً واجتماعياً وسيطروا على بعض الجاليات الإسلامية دينياً ووصلوا إلى وكالات حكومية بل وإلى مؤسسات سيادية وأصبحت كلمتهم مسموعة وقراراتهم نافذة على المسلمين.
توقيت ونص قرار ترامب يثيران العديد من الأسئلة التي تسهم في تحديد مساحة الآمال التي بُنيت عربياً عليه.
السؤال الأول، لماذا اقتصر القرار على ما يتعلق بالإخوان في مصر ولبنان والأردن؟ وهل هذا يعني أن الفكر والأيديولوجيا التي تتبعهما هذه الفروع الثلاثة يختلفان عن تلك التي تتبناهما بقية الفروع، وهل هي جماعة واحدة في الأهداف والمناهج والوسائل أم أنها عدة جماعات؟
السؤال الثاني، ما العلاقة بين قرار ترامب وقرار جريج أبوت حاكم ولاية تكساس بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR) كمنظمتين إرهابيتين أجنبيتين ومنظمتين إجراميتين عابرتين للحدود الوطنية؟ لتكون تكساس أول ولاية أمريكية تتخذ هذا القرار، خصوصاً أن كثيراً من المحللين يرون قرار تكساس هدفه مجاملة إسرائيل وليس مناهضة الجماعة من دون تفريق بين فروعها المنتشرة في العديد من دول العالم.
السؤال الثالث، ما مدى وجود علاقة بين هذا القرار وبين المظاهرات التي اجتاحت الولايات المتحدة خلال العامين الأخيرين اعتراضاً على الحرب على غزة؟
السؤال الرابع، ما أسباب عدم اتخاذ ترامب قراره بتصنيف الجماعة إرهابية من دون هذا الإعلان المسبق للبحث في ملفاتها ومواقفها؟
أمريكا لا يشغلها حماية العالم العربي من خطر الإخوان، ولا يشغلها تحصينه ضد الإرهاب، بقدر ما يشغلها استخدام جميع الأوراق الممكنة لتحقيق أهدافها، ولو أن الرئيس ترامب قام بتصنيف الجماعة إرهابية سيكون قد اتخذ القرار الذي يؤكد اختلافه عن أسلافه وأن أمريكا تتغير، ولو أنه نجح في ملاحقة هذا الوباء وتقييد حركته فسيكون بذلك يضع جماعات الإرهاب التي تتاجر بالإسلام على طريق الانهيار، خصوصاً وأن دولاً أخرى ستلحق به.