هل خطر ببالك أن للأفكار والنظريات مدّاً وجزراً مثل الموضات؟ لا شك. ما كان درّةً يتيمةً، قد يغدو أسمالاً قديمةً، وما كان نسياً منسيّاً، قد يصبح تاجاً ماسيّاً. كان القدامى يعنون بالأدب ما يعني لدينا اليوم الثقافة العامّة: الأخذ من كل شيء بطرف. ثم طغت في القرن العشرين موجة التخصص، الذي لا عيب فيه، لولا دعابة نوبل الفيزياءِ- الألمانيَّ هايزنبرغ: «المتخصص هو ذلك الذي يعرف كل الأخطاء التي يمكن ارتكابها في مجال محدود». في بضعة عقود، تبيّن أن تفرعات العلوم بلا حدود، فتحت الأبواب على مصاريعها أمام العلوم المتعددة التخصصات. حاول أن تعدّ أغصان شجرة البيولوجيا.
إذا أرادت التنمية أن تكون شاملةً، فعليها أن تتجنّب الوقوع في الإفراط التخصصي: في الرقمي، في الذكاء الاصطناعي، أو أيّ طفرة تكنولوجية تظهر. على غرار المقولة الشهيرة: ليس بالتكنولوجيا وحدها يحيا الإنسان. يحتاج الأمر إلى عقول أكاديمية راجحة، في العلوم السياسية والاجتماعية، لدراسة التوازن والتناغم في جميع الميادين، حتى لا تكون في الحركة العامّة تناقضات وتفاوتات في الإيقاع. تخيّل ذلك في فرقة موسيقية: الاختلاف في الدوزان بين الآلات، أو بعضُها أسرع إيقاعاً. التنمية الشاملة أوركسترا موحّدة، منضبطة، متجاوبة، دقيقة في مستوى الترددات، أو لا تكون. التأليف الموسيقي المبدع، هو وحده الذي يستطيع أن يجعل الباصون، ذا الصوت الخنزيري (صوته: القُباع)، يعانق الكمان، والعود يداعب النفير (الترومبيت).
في التنمية الشاملة المتوازنة، ترتبط المناهج ارتباطاً عضوياً بالمسيرة التنموية، بحيث يكون نظام التعليم هو الرافد، وتكون مراكز البحوث هي همزة الوصل والحبل السُّرّي الذي يغذي الجسم التنموي في كل أعضائه ومفاصله. يجدر التذكير بأن جامعة برنستون، قبل ثلاثة عقود أو أكثر، بادرت إلى حركة تربوية لامعة، إزاء نوابغ الرياضيات، الذين يتلقون منهاجاً خاصاً، أضافت إليهم مادتين إجباريتين: الفلسفة والموسيقى! حركة ذكية ومنطقية، فأمّا الفلسفة فهي أمّ العلوم، وأمّا الموسيقى، فليس ثمة شيء في الموسيقى غير الرياضيات (الإيقاع) والفيزياء (الموجات الصوتية).
في التنمية الشاملة المتوازنة، تتناغم وتتناسق وتتجاوب المجالات جميعاً، تنمو التكنولوجيا والاقتصاد والبنى التحتية، مع نمو المناهج والفكر والعقل الناقد والذوق الرفيع ومقومات الهوية والأمن القومي.
لزوم ما يلزم: النتيجة التوازنية: الإنسان أروع أوركسترا، روح ولحم، عقل وعظم، شحم وشِعر، علم وهضم، عرفان وغرائز، كلها في سيمفونية حياة ووجود.
تأمّلات في التوازنات التنمويّة
7 ديسمبر 2025 00:13 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 ديسمبر 00:13 2025
شارك