كان محمود درويش يقول إن ناجي العلي أجبرنا على قراءة الجريدة بدءاً من الصفحة الأخيرة، حيث كانت رسومات العلي تنشر بأسلوبه الذي لم يستطع أحد أن يقلّده أو يقترب منه احتراماً لشخصية إبداعية مستقلة.
يرسم الزميل هارون باستقلالية فنية هو أيضاً في إطار هذا الفن القليل الكلام، إن جازت العبارة، ذلك أن الرسمة الكاريكاتورية بخطوطها السريعة هي الكلمة، وهي الفكرة من دون حاجة إلى لغة، إلا في حالات قليلة.
أمس، بعث هارون برسالة بريدية ورقية إلى ما سمّاه (السيد فصل الشتاء)، وظهر في رسمة هارون الغلاف القديم للرسائل الورقية بفرزاته الزرقاء والحمراء، ثم ظهر قلم الحبر الأسود من أقلام الماركات القديمة: الباركر أو الشيفر، أقلام الستينات والسبعينات التي كنّا نكتب بها رسائل الحب إلى بنات الجيران، وأحياناً نخبّئ الرسائل بين صفحات الكتب المدرسية مع وردة حمراء تذبل يوماً بعد يوم إلى أن تصبح ورقة يابسة.
رسالة زميلي هارون، أمس، لم تكن صورة كاريكاتورية، بل كانت رسالة حنين إلى ذلك الزمن الذي أسميه الآن: «زمن الورق»، أو زمن صندوق البريد الذي استوحى منه الشاعر الأمريكي من أصول صربية تشارلز سيميك هذه القصيدة الحارّة فعلاً، والتي جاءت على شكل قصة تروي حكاية امرأة عجوز تذهب كل يوم إلى صندوق بريدها، ولكنها لا تجد رسائل.
يقول سيميك (ترجمة: حيدر الكعبي): «تمشي بمهابة من مدخل البيت إلى صندوق البريد/ ترافقها دجاجة، تقف حين تقف سيدتها/ الدجاجة تراقب المرأة العجوز، ترفع غطاء الصندوق، وتلقي نظرة داخله قبل أن تدخل يدها فيه/وحين لا تجد رسالة/ تغرق في التفكير/ قبل أن تستدير عائدة في كآبة الظهيرة ومعها الدجاجة التي تواصل هز رأسها، وتقوقئ لنفسها: (لقد قلت لك ذلك، أيتها العجوز الحمقاء..)».
في عام 1981 كنت أعمل مدرّساً في قرية معروفة في السعودية هي تيماء الواقعة بين مدينة تبوك والمدنية المنوّرة، ولكنها أقرب إلى تبوك، وتيماء كانت مشهورة بقصر السموأل، الشاعر المعروف، وكنت تماماً مثل تلك المرأة العجوز، أذهب وقت العصر إلى صندوق البريد، وكثيراً ما كنت لا أجد الرسائل، ولكن لم تكن ورائي دجاجة تقوقئ وتسخر منّي..
كان لي جرح صغير في صدري، وها هو هارون ينكأ ذلك الجرح القديم، وأنا مثله بانتظار السيد الشتاء، فصل المطر والحب.
امرأة عجوز.. ودجاجة
8 ديسمبر 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 ديسمبر 00:03 2025
شارك