عبد الإله بلقزيز
الحداثة عبارة عن رؤيةٍ جديدة إلى العالم والمجتمع والعلاقات الإنسانيّة والمعارف والأنظمة والمؤسّسات ما كانت معهودةً في ما مضى من أزمنة: قديمة وحديثة. يُختَلف في تأريخ زمنٍ بعينه وُلِدت فيه هذه الحداثةُ واستتبّ لها الأمر اختلافاً شديداً في بيئات دارسي تاريخ الفكر، حتّى أنّ الاختلاف ذاك يدور على قرونٍ لا على مجرّد عقود: بين قائل إنّها انبثقت مع فجر الأزمنة الحديثة (القرن السّادس عشر) وقائلٍ إنّها من مواليد نهاية القرن التّاسع عشر الأوروبّي. لكنّ أحداً ممّن اختلفوا في تعيين لحظة التّكوُّن الزّمنيّ للحداثة لم يجادل في معناها ودلالتها بوصفها منظومةً جديدة من التّفكير والإدراك والتّفاعُل مع الظّواهر والمشكلات ستطبع قيمُها ومعاييرُها الوعيَ الإنسانيّ المعاصر.
قد يكون من العسير الاتّفاق على تاريخٍ رسميّ لبزوغ الحداثة، لئلاّ نقول إنّ مثل ذلك الاتّفاق سيكون من قبيل المستحيل، على ما يشهد على ذلك النّزاعُ على تعيينه بين الدّارسين. صحيحٌ أنّ مفهوم الحداثة مفهوم متأخِّرٌ في ميدان التّداول، وهو لا يعود إلى أكثر من نيّفٍ ومائة عامٍ من اليوم، ولكنّ الحداثة - من حيث هي منظومةٌ فكريّة - سابقةٌ في الوجود لمفهومها، شأنُها في هذا شأن سائر الظّاهرات المادّيّة واللاّمادّيّة التي تتحقّق وجوداً زمناً قبل تعريفها وتسميتها.
معنى ذلك أنّ التّأْريخ للحداثة ينبغي له أن لا ينصرف إلى تَعَقُّب استخدامات مفهومٍ (حديثِ النّشأة) في امتدادِه من لحظة التّكوُّن إلى لحظة التّطوُّر، بمقدار ما سيكون عليه أن يرصُد الحداثةَ في صعودها وتناميها وفي تمظهراتها المختلفة قبل أن تكتسيَ كُسْوَةً مفهوميّة تُعْرَف بها اسماً رسميّاً لها. ما قبل مفهوم الحداثة قطعتِ الحداثة شوطاً طويلاً هو جزءٌ من تاريخها كظاهرة، لذلك ما من علاقةٍ بين ما قبل الحداثة (وهو التّقليد) وما قبل مفهوم الحداثة (أي الحداثة قبل تحديدها النّظريّ). من شأن هذا التّمييز أن يرفع الإبهام عن مسألة تاريخ الظّاهرة وعن الجدل الفكريّ حوله، ولكنّ من شأنه - أيضاً - أن يفتحنا على أفقٍ آخر للنّظر إلى الحداثة بوصفها محصَّلةَ تاريخٍ تراكميّ وليست ثمرةَ لحظةٍ انبثقت افتجاءً.
من موقع النّظر هذا إلى الحداثة، بما هي محصّلةٌ تركيبيّة لجملة من التّحوّلات التي طالتِ الثّقافة والفكر والقيم والمعارف والعلاقات والمؤسّسات، يَسُوغ أن يُسْتَدْخل في جملة تاريخ الحداثة ما كان منها بمثابة المقدَّمات واللّبنات التي بها كان شَيْدُ صرْحها، وأن يُنْظَر إليها بوصفها لحْظات في تاريخها لا من حيث هي محْضُ أسبابٍ لقيامها.
إذا كان من سمةٍ غالبة على الحداثة ومائزةٍ لها من غيرها، فهي أنّها أَعْلَتْ من سلطان العقل ونزّلتْهُ المرجعَ الذي التغى به عهدُ الوصاية على الإنسان على قوْلٍ شهير لإيمانويل كَنْت في تعريفه الأنوار. أتتِ العقلانيّةُ تمثّل واحداً من أَظْهر مواليد سلطة العقل، وما لبثت أنِ انتقلت من كونها فلسفةً ومعرفةً خاصّةً بنخبةٍ من المفكّرين محدودة إلى حيث صارت قواعد عمليّة أو قواعد للعمل، بحيث تَكَثَّرت تجلّيّاتُها: عقلانيّة في التّفكير مثّلتْها الفلسفةُ الحديثة، عقلانيّة في الاقتصاد مثّلها النّظام الرّأسماليّ وتقسيم العمل الذي أنجبته الثّورة الصّناعيّة، عقلانيّة في السّياسة تبدَّت في نظام الدّولة الوطنيّة الحديثة، عقلانيّة في الحرب عبّر عنها التّنظيم العسكريّ الحديث للجيوش، عقلانيّة في العلاقات بين الأمم والدّول صاغت ملامحها المواثيقُ والمعاهدات التي اعترفت بسيادات الدّول، فضلاً عن وجوهٍ أخرى من تلك العقلانيّة التي نقلتْ فيها الحداثةُ العقلَ من عقلٍ نظريّ (فلسفيّ، لاهوتيّ، رياضيّ) إلى عقلٍ تجريبيّ كان عبدالرّحمن بن خلدون قد حدسه مبكّراً، وقبل قرون من الحداثة، وأطلق عليه هذا الاسم، إن هذا العقل اليوم هو عقْلٌ للأشياء والظّواهر والمؤسّسات لا للأفكار فحسب.
لكنّ سمةً ثانيّة غالبة ميّزتِ الحداثة هي روحُها النّقديّ الذي لازمها ولم تَحِد عنه. إنّها رؤية نقديّة إلى الظّواهر والعلاقات والأفكار تفحصُها فحصاً دائباً وتميط عنها أستار الإبهام، لكنّها - في الوقت عينِه - نقديّة تجاه نفسها ونزّاعة إلى مراجعة يقينيّاتها باستمرار، الأمر الذي اختلط على كثيرٍ من النّاظرين فيها فقادهم إلى الاعتقاد بانصرام عهدها.