يحيى زكي

تحتفل الأمم المتحدة في 18 ديسمبر(كانون الأول) من كل عام، باليوم العالمي للغة العربية، هذا الاحتفال أقرته المنظمة الدولية في عام 1973، عندما قررت إدخال العربية ضمن لغات العمل بها، وإذا كان هناك احتفاء عالمي بلغتنا العربية، فإن وضعها ليس هكذا بالنسبة لأصحابها.
حال اللغة العربية ليست على ما يرام، وعلى المستويات كافة، حتى داخل الأوساط المنوط بها رفعة شأن هذه اللغة.
العربية تتميز بأنها لغة مسموعة بالدرجة الأولى، تجلى ذلك في فنها الأول، الشعر، حتى أن معارضة الكثيرين للقصيدة الحديثة وقصيدة النثر نتيجة لأنهما تقرآن، بالدرجة الأولى، ولكن تلك قصة تحتاج إلى حديث آخر، تجلت أيضاً السمة السمعية للعربية في الخطابة والتي ظلت حتى عقود ماضية جزءاً من منهاج اللغة في مراحل تعليمية مختلفة.
مع تراجع الشعر العمودي وتراجع الحاجة إلى الخطابة، واصل الإعلام المسموع، الإذاعة، حمل مهمة تبسيط العربية وتحبيبها إلى المستمعين، وقام بالمهمة نفسها الإعلام المرئي في بداياته، ولكن معظم قنوات ذلك الإعلام لم تلبث أن تخلت عن الفصحى لصالح العاميات المختلفة. كان الإعلام، المسموع والمرئي، يسير على خطى الصحافة المكتوبة، والتي قامت بدور لا ينسى في جانب تحديث اللغة، وتخليصها من المفردات العتيقة والقديمة، وتقديمها في ثوب جديد، وهي المهمة نفسها التي قام بها الأدب، والسرد تحديداً، وتناغم التعليم مع هذه المنظومة بأكملها.
والملاحظ الذي ربما لا يلتفت إليه أحد أن اللغة هي انعكاس لفكرة ومشروع وهمّ مجتمعي، أي أننا في مرحلة الاستعمار وفي ظل التأثير الأجنبي، كانت هناك ضرورة وطنية للتمسك بالعربية مع تحديثها، كي تستطيع أن تعايش العصر، وفي مرحلة المد القومي كانت العربية هي التجلي الثقافي والفكري لكل من رفع شعار العروبة.
الآن اختفت العوامل السياسية والفكرية، وباتت العربية في مهب عاصفة العولمة، وعرضة لتقلبات التكنولوجيا الحديثة، ولكن هناك عامل آخر يحتاج إلى دراسات وتحليلات نفسية، ويتمثل في أن الإنسان العربي، ولنكن صرحاء، لا يعتز بلغته مثل الشعوب الأخرى، وهناك مواقف عديدة تقابلنا يومياً وبصورة متكررة تؤكد ذلك. أنت أمام مجموعة من المراهقين العرب في مقهى يتحدثون في ما بينهم بالإنجليزية، والأدهى والأمر أن تجد مسؤولاً ينتمي إلى جنسية عربية في إحدى المؤسسات يخاطب مرؤوسه الأجنبي بالإنجليزية، في موقف ربما لا تعثر عليه في العالم بأكمله إلا عندنا. فالمفترض أن المرؤوس هو من يخاطب رئيسه بلغته، فسيادة ثقافة معينة بما فيها اللغة، وكما يقول أبسط درس تاريخي، يخضع للتدرج الوظيفي وإلى صاحب رأس المال، أي أن جميع الموظفين الأجانب الذي يعملون في مشروع صاحبه عربي عليهم أن يحدثوه بالعربية، الأكثر مدعاة للأسى أن صاحب هذا المشروع العربي هو من يشعر بالفخر لأنه يتحدث لغات أجنبية، وربما ووفقاً لتعليمه لا يعرف العربية في الأصل.
اللغة لكي تزدهر تحتاج إلى فكرة جامعة، وإحساس عام بأنها حياة وهوية ورأسمال رمزي في زمن يتراجع فيه كل شيء.