بدأ في السنوات الأخيرة ظهور مهنة مستقلة ذات معايير ثقافية وحرفية هي «محرر كتب» في سوق النشر العربية، لكن هذه المهنة ليست جديدة على مستوى العالم، ففي دور النشر الكبرى في فرنسا وأمريكا وبريطانيا يحتل هذا المحرر موقعاً حيوياً في سياسة الدار وحتى توجهها الثقافي والنشري، وإلى جانب وظيفة تحرير مادة الكتب المدفوعة إليه هو أيضاً مستشار أدبي ومهني لدار النشر وإن كان هذا الدور الذي يلعبه في صناعة الكتاب يأتي، أحياناً، في الظل، وذلك لتجنب مشاكل أو مساءلات محتملة قد تحدث بين دار النشر والمؤلف الذي قد يتدخل في عمله الأدبي ذلك المحرر المُعتمَد.
يحدث هذا في الغرب عموماً، ولكنه على المستوى العربي ليس مألوفاً أو مُتداولاً على نحو يشكل ظاهرة أو جزءاً من ظاهرة صناعة الكتب في سوق نشرية تتنافس فيها مئات وربما آلاف دور النشر.
مهنة محرر الكتب رفيعة المستوى، وهي عمل انتقائي، ولا يحظى به أو يصل إليه أي محرر، والأرجح أن محرر الكتب هو كاتب أيضاً، أو يمتلك «كاريزما» الكاتب إن جازت العبارة، والمقصود بال «كاريزما» تلك الضوابط والأنظمة الدقيقة وحتى الصارمة التي تتطلبها عملية الكتابة.
محرر الكتب أيضاً يتجاوز عمله آليات ضبط اللغة من حيث النحو والبلاغة والصياغة إلى روح الكتابة في حدّ ذاتها، والمحرر بهذا المعنى يلتقي مع حساسية المؤلف الأدبية والجمالية، ويتماهى مع ثقافته واستشعاراته الشفافة ذات الصلة بالنص الأدبي وروحه الفكرية، والنقدية، والجمالية.
مع كل ذلك، ليس محرر الكتب ناقداً أو لغوياً، أو معجمياً بالمطلق، أي أن في داخله ناقداً أو لغوياً أو معجمياً ولكن دائماً بنسبة محددة تماماً في مستوى النقد واللغة والمعجم، لكي لا تسيطر عليه كل هذه الحيثيات، وتبعده عن شخصيته المستقلة التي هي محرر الكتب.
عملت لفترة قصيرة جداً محرراً لعدد قليل من الكتب، ووجدت في عملي السريع ذاك متعة كبيرة، وذلك في أثناء تمكني الشخصي من السيطرة الضمنية على الكتاب وأحياناً على النصّ في حدّ ذاته الذي هو نصّ المؤلف وملكيته وحقّه الروحي والنفسي، وكنت أجد أن التدخل في الكتاب إلى مستوى ما من التحرير الأدبي إنما هو شراكة جميلة بين المحرر والمؤلف تصل ضمنياً إلى حدود الصداقة.
لا توجد في البلدان العربية إطارات مهنية لمحرّري الكتب، وهي مهنة ليست رسمية أو معتمدة في الذهنية العربية، وغالباً، ما يكون محرر الكتب مجرد «لقطة» ذكية من الناشر الذي يعتمده، ويوظفه، ويعطيه راتبه الشهري أو مكافأة عابرة مقطوعة.
مهنة نبيلة مهنة محرر الكتب، فهو مصفاة بترول أو ماء، وإذا أردت هو مصفاة لتراب الذهب.
المهنة: محرر كتب
12 ديسمبر 2025 00:39 صباحًا
|
آخر تحديث:
12 ديسمبر 00:39 2025
شارك