قد تلاحظ أحياناً أن الهدف الكبير أو الأمر الذي كنت تتوقع أنك ستكون بقمة سعادتك ورضاك دوماً عند الوصول له، قد وصلت إليه بالفعل، وشعرت بتلك السعادة والنشوة، لكنها لم تكن كما تتخيلها، فقد دامت لوقت ما، وبعد ذلك اعتدت عليها، وبدأت الأمور تعود كما كانت سابقاً.
بعد أسابيع أو أشهر، يتحول المنزل الجديد إلى مجرد جدران، والسيارة الفارهة إلى وسيلة نقل عادية، والراتب الكبير إلى رقم اعتيادي. نعود إلى مستوى سعادتنا الأصلي، ونبدأ في البحث عن هدف جديد، وهكذا ندور في حلقة مفرغة لا تنتهي.
أنت في الحقيقة لست الوحيد الذي شعر بذلك، هنالك نوع من المشاعر الشائعة تكون عبارة عن ميل الإنسان للتكيف السريع مع التغيرات الإيجابية في حياته، بحيث تصبح «النِعم» الجديدة هي «الوضع الطبيعي» الجديد، وتفقد قدرتها على إبهارنا.
الدليل على أن هذه المشاعر شائعة جداً هو الدراسة الشهيرة والمثيرة للدهشة التي أجريت في السبعينيات، وقارنت بين مستويات السعادة لدى الفائزين باليانصيب (ممن ربحوا مبالغ طائلة) وأشخاص عاديين. قد نتوقع أن الفائزين يعيشون في نعيم نظراً للنقلة النوعية التي حدثت لهم بعد الفوز، لكن النتائج كانت صادمة.
وجد الباحثون أنه بعد فترة قصيرة من الفوز لم يكن الفائزون باليانصيب أكثر سعادة من الأشخاص العاديين، بل إنهم كانوا أقل استمتاعاً بتفاصيل الحياة اليومية البسيطة! وذكر الباحثون التالي: «في نهاية المطاف، ستتلاشى نشوة الفوز باليانصيب... فإذا كانت الأمور تقاس بمدى اختلافها عن المعيار المرجعي لتجاربنا السابقة، فإن أكثر الأحداث إيجابية ستفقد تأثيرها تدريجياً، لأنها ستندمج لتصبح هي نفسها المعيار الجديد».
إن فخ الاعتياد هذا هو الذي يسرق منا لذة الحاضر. المشكلة ليست في طموحنا للأفضل، بل في أن نتعامل مع النعم التي لدينا بدون أي امتنان، الشعور الذي يصيبنا تجاه ما نملكه بالفعل. نحن لا نلاحظ نعمة الصحة إلا في المشفى، ولا نلاحظ دفء العائلة إلا في الغربة، ولا ندرك قيمة الاستقرار إلا وسط الفوضى.
الحل لكسر هذه العجلة ليس التوقف عن الطموح، بل ممارسة الامتنان، أن نتوقف قليلاً لننظر إلى الأشياء التي أصبحت «عادية» في حياتنا، ونتذكر كيف كانت يوماً ما «أمنية» بعيدة المنال.
السعادة الحقيقية ليست في الحصول على المزيد مما لا نملك، بل في استعادة دهشة الفرح بما نملك بالفعل، قبل أن يوقظنا الفقد لنعرف قيمته.