لعله من نافلة القول، إن شبكة الإنترنت، باتت جزءاً من واقعنا وحياتنا، بل باتت واقعاً حتمياً ومهماً، ولا فكاك منه ولا عنه، بل إن الخدمات التي تقدمها لنا لم يعد بالمقدور الاستغناء عنها، أو تخيل العالم دونها، فهي تدخل في مختلف مفاصل حياتنا اليومية، وأيضاً تكون حاضرة في خططنا نحو المستقبل، ومساعدة لنا في حاضرنا، بشكل لا يمكن تخيله لكن ما يعني في هذا الإطار، ليس الإشادة بقوة شبكة الإنترنت، ولا بدخولها في عمق التجربة والحياة البشرية، بل في واحدة من أهم آثارها السلبية، والتي تعد من نتاج الإنسان نفسه، وأشير في هذا السياق إلى موضوع السطحية المعرفية، أو الثقافة الهامشية، وأقصد تحديداً، شعورك بأنك تملك المعرفة، أو لديك ثقافة واسعة في موضوع ما، بينما الحقيقة مختلفة تماماً، فالمعارف التي تستند إليها مجرد إطار عام، أو خطوط وعناوين عامة، والثقافة التي تعتقد أنها شاملة وعميقة، تتناول فقط عناوين رئيسية.
هذه السطحية في المعرفة، والهامشية في الثقافة، إذا صح الوصف، تحضر في اللحظة التي بات الوصول إلى المعلومات، مهما كان نوعها وحجمها متاحاً ومتيسراً، وغير مكلف لا في الجهد ولا في الوقت، لأن تدفق الموارد الرقمية التي تحمل الكثير من المعلومات لا نهائي ولا يتوقف، وعمليات البحث باتت أقوى وأكثر حيوية وفائدة. ولكن في اللحظة نفسها وبسببها ظهر ما يسمى ثقافة التصفح السريع، والتي تتمثل في التمرير السريع للمعلومة، في سعي لمعرفة أكبر قدر منها، حيث نكتفي بالعنوان بدلاً من المحتوى، والاقتباس بدلاً عن القراءة المتأنية، واللمحة بدلاً من التأمل. وكأن هناك حالة جديدة نشأت في العقل البشري تدعوه للقراءة السريعة، والتعامل مع صفحات الويب بالقفز بين الفقرات والروابط والصور، بدلاً من الغوص في النص، وتبعاً لهذه الحالة ظهر ما يُعرف بالقراءة المجزأة، وهي بدورها سببت: انخفاض قوة التركيز، وتآكل مهارة القراءة العميقة، وتراجع الصبر على المعرفة والمعلومة، لذا نرى ظهور ما يعرف بالعنوان الجذاب، والمقالات المختصرة المخلة بالفكرة والمعنى، والصور المبالغ في قوتها لتكون بديلاً من السرد.
ويبقى دورنا نحن كأفراد، لفهم هذا العبء المعرفي والثقافي، وأهمية الوعي بحاجتنا إلى المعلومات الكاملة الصحيحة، وترسيخ قوتنا في الثقافة التي نحتاج إلى فهمها. لا أحد يدفع بك نحو العجلة والاستعجال، خذ ما تحتاج إليه، ومما هو بين يديك من معلومات تتقاطع مع واقع حياتك، ولا تستسلم لتلك السرعة المهولة، لأنها ستتجاوزك دون أي معلومة مفيدة.