د. نسيم الخوري
أنقّي الحبر وأصفّيه من أشواك الخطب المشحونة بالحروب المرتجلة المتراكمة والمتكرّرة والمناكفة في لبنان. غادرت الأجيال وتُغادر كلّ يوم بحثاً عن بسمة المستقبل في أي بقعةٍ من الأرض. يتألم الآباء والأجداد بالطبع حيال التشتّت السياسي والحزبي والعائلي والطائفي المذهبي الذي بات اللازمة في جعل لبناننا على عدد دول العالم.
نلمس يأساً وحزناً وخوفاً وفي الوقت نفسه نعيش فرحاً وطمأنينة وأعياداً لأنّ أولادنا وأحفادنا في الخارج، والظاهرة الجديدة اللافتة هي انجذابهم نحو أحضان الخليج. أجيالنا وأولادنا وأحفادنا مسكونون بالمستقبل القريب ويربطونه بقوة بحثاً عن غدهم القريب والعريق في الخليج. لقد فتحت دول الخليج مساحاتها الغنيّة وفرصها العظيمة وحضاراتها وقلوب أهلها التي لا تنام والتي لا تُقفل أبوابها ليلاً ويغمرونك بمحبتهم لنا في الأعمال والآذان والساحات.
زرت سيّدةً جنوبية لبنانية مسنّة عادت من دبي بعد زيارة ولديها المقيمين هناك لتشكر الله «إذ منّ عليها بالصعود العجائبي» في طائرة أقلّتها كما قالت نحو الجنّة. من يصغي لتوصيفها الباهي لجمال الخليج وخضرته ورقيه وأنظمته وهدأته، يفهم معنى أن ترفع صور ولديها هناك فوق جدار لا بهدف المباهاة كما قالت، بل بهدف تمكنها من نسف منزلها القديم وتجديده في قرية من جبل لبنان. هذا حديث نشهده متكرّراَ هنا في الأحاديث والسهرات.
لماذا أيضاً وأيضاً؟
لأنّ السياسيين أدمنوا تهشيم عاصمتهم ومدنهم وقراهم ورموزهم بتنابذهم وانفعالاتهم عبر استيراد حروب و«ثورات العالم». باتوا أسرى دربين: واحد سلكه ويسلكه بفرح وبسرعةٍ أولادنا وأحفادنا وبسعادة مطلقة تراهم وتراهنّ يركضون نحو الخليج وقد كنّا نحن ننتظر أهلنا يتقاطرون إلينا فرحاً من الخليج في معظم المناسبات، ودرب يتجدّد بقوة غريبة، إذ تراهم يجهرون عبر أحاديثهم وأحلامهم ومستقبلهم بإعجابهم الباهرٍ بالحضارة الإنسانية في الخليج.
قالت: «جذوري في الخليج ROOTS لفظتها بالإنجليزية. لست غريبةً ولا أشعر بالغربة في الخليج فالغرب والشرق يركضان إلينا هناك من زوايا الأرض».
حككت رأسي لا لأولّد نصّاً، بل لأضع ظاهرة في تحولات مفهوم الهجرة اللبنانية بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب ولأعترف بتهيّب الفصاحة في نشر الحبر الصادق لأخرج بعقلانية نحو سقوط حبال الصرّة التي لطالما كانت تجمع بين الماضي والحاضر كي لا نقول بين الآباء والأبناء في وطنٍ أضاع سياسيوه دول العالم القريبة والبعيدة.
لست بآدم لأن أخرج حوّاء من تحت الضلع، لكنّ الحنين لبيروت التي ولّدتنا ودفعتنا نحو المياه والأبراج النبيلة في الخليج أراه يتكاسل ويتباطأ ويؤجّل ثمّ يحفّ الرأس ويتبرّم عاجزاً عن تلمّس طفولته وشبابه وحياته وحضارته ومدينته الحبيبة نقطةً فنقطة. أليس الصمت والقراءة أحياناً أرقى من لملمة حبيبات المدن القلقة بأمكنتها وماضيها وحاضرها الذي هو ماضينا وحاضرنا في الوجه الآخر للمرايا؟
من يقدر على ترميم ثوب بيروت نواة زرعناها في الدنيا بهاءً وجمالاً؟ من يلمّ بها وقد امّحت أبوابها وضاع مفتاحها العتيق؟ من يكشف الأغطية العتيقة عنها فيعيد تفصيلها موزّعة في تضاعيف التاريخ والحضارة من ألفها إلى يائها؟
تتآلف الخناصر والألسنة وتتزاوج الأعراف والتقاليد والحضارات كأنها الرحم الواحدة الأولى لتطلق صرختها الأولى بصوتٍ واحد: عاشت العروبة الحضارية.
أخرج نيوتن قانون الجاذبية من تفّاحة سقطت فوق رأسه فأدمته، لكنّ ما نسمعه حول جاذبية أولادنا وأحفادنا في الخليج يتجاوز تفّاح لبنان الذي ما عاد يجرح رؤوسنا وطاقاتنا بل يحفّزنا في البحث الجدّي عن بعث الجاذبية المتآكلة بين الأوطان والمواطنين ومؤانسة التاريخ إلى حدود إدارة الظهر لمعالم الآباء والأجداد والمدن الواقفة الانتحارية كما الحال في لبنان.
ماتت الغربة بمعانيها ومفاهيمها التقليدية لمن يغادر، وصارت الغربة في الداخل خوفاً وصوراً مهترئة فوق جدران الجادات والشوارع والساحات والأحزاب العائلية المتنافرة منذ بدايات التاريخ.
اختصرها شاب لبناني قال: «أحنّ إلى بيروت لكن الوهج يبرد فور أن أصل إلى ردهة المطار. شاخ لبنانكم في الغرب لكن الغرب يأتينا للخليج وتدهشه الدقّة والأنظمة والبراعة والتخالط الحضاري والعلمي والكرامة والقوانين والاحترام. باختصار: لست مغترباً أبداً في الخليج».