في لحظة قراءة عميقة وهي تبحث عن ملكة مليحة في الأرض التي تصغي إليها، وتتقصى علامات وإشارات أسلافها الأوائل، تقع سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي على معلومة اجتاحتها مثل موجة هادرة، وهي أن سلالة من الملكات حكمت مليحة والمناطق المحيطة بها، وذلك في كتاب «مليحة: التاريخ غير المكتوب» للباحثين: صباح جاسم، ومارغرتيه، وهانز بيتر أوربمان.
هنا، لم تستطع سمو الشيخة بدور كبح جماح حماسها، كما تقول في كتابها الصادر مؤخراً «أخبروهم أنها هنا، بحثاً عن ملكة مليحة»، فهرعت إلى والدها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، قرأت عليه تلك الفقرة التي تشير إلى وجود ملكات حكمن مليحة، وصوتها يشتعل بالدهشة والأسئلة، وسألت سموّه: «لماذا لم يبحث أحد هذا الموضوع بعمق؟ لماذا لا يتحدث عنه أحد؟» ابتسم صاحب السمو حاكم الشارقة لابنته بحكمته الهادئة المعهودة، وردّ بعبارة لن تفارقها ما حييت: «كانوا ينتظرونك».
من تلك اللحظة أضاءت شرارة قلب سمو الشيخة بدور، وانتقلت إلى مرحلة تتجاوز الكشف الأثري إلى اكتشاف ذاتها، ومن تلك اللحظة أيضاً بدأ طريقها الظاهري والباطني. ستعرف أن الحقيقة حين تدفن في جسد الأرض لا تموت، وأن الصحراء ليست ربعاً خالياً، وفي كل مرة تذهب فيها إلى مليحة كان الطريق يمتد أمامها كأنّه صلاة هادئة. (ص 279).
ستعرف أن مليحة كانت غارقة تحت محيط (تيثس). لكن معرفة سمو الشيخة بدور ليست معرفة وثائق ولُقى أثرية وتاريخ مدفون تحت التراب فقط، بل هي معرفة روحية، إيمانية، معرفة قائمة على عبقرية الإصغاء التي تكوّنت لديها بفعل طهارة نداءات الأرض، وهي أيضاً معرفة معززة بالعلامات والإشارات التي تراكمها الأحلام في قلب شابة تتقصى التراب، والنجوم، لتصل إلى الحقائق.
كتاب سمو الشيخة بدور كتاب مليحة، وكلباء، والفاية، كتاب جبال، وملكات، وعلوم، ومعتقدات، وحكايات، والحكايات، كما تقول سمو الشيخة بدور، عظام الثقافة، كتاب إلهام إشراقي بالغ الشفافية من رؤيا جدّها غانم الشامسي وقبره في دبي، ولأن الرؤيا أمر روحي استشرافي دلالي، يشير عليها صاحب السمو حاكم الشارقة بزيارة قبر جدّها الأكبر، وتفعل، وتعود أيضاً بقلب طاهر، وروح أمّارة لها بمواصلة البحث عن ملكات مليحة.
مليحة مركز الكتاب، وسوف يحظى هذا المكان الأثري باهتمامها الدولي، ويجري تسجيل «الفاية» في قائمة اليونسكو، وفي كل مرة تذهب فيها سمو الشيخة بدور إلى مليحة لا تذهب إلى هناك لتتعلم التاريخ فحسب، بل لتعيد كتابته.

[email protected]