لا شك في أن حادثة إطلاق النار على شاطئ بوندي في مدينة سيدني الأسترالية الذي وقع يوم الأحد الماضي، هو عمل إرهابي، أياً كان منفذه أو من يقف وراءه، أو دوافعه، لأنه استهدف مدنيين كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي (حانوكا). وهو فعل مدان، لأنه يزيد من التطرف والكراهية على أساس ديني، تسعى إسرائيل لجعله واقعاً، وتكريسه في إطار الصراع القائم بشأن القضية الفلسطينية واستثماره في معركتها المستمرة حول ما يسمى «معاداة السامية».
الحادث الذي أسفر عن مصرع 16 شخصاً وإصابة نحو أربعين آخرين، ومصرع أحد المهاجميّن الاثنين، أثار موجة واسعة من الاستنكار والإدانة، إذ أكدت دولة الإمارات في بيان لوزارة الخارجية، استنكارها الشديد لهذه الأعمال الإجرامية، و«رفضها الدائم لجميع أشكال العنف والإرهاب التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار».
كما تقاطع هذا الموقف مع إدانات دينية ومجتمعية ورسمية واسعة داخل أستراليا، شددت على حماية النسيج الاجتماعي، ورفض تحميل أية جماعة مسؤولية أفعال فردية، خصوصاً أنه لم تتبين حتى اللحظة دوافع الشخصين اللذين قاما بهذا الفعل، وهما أب وابنه، عرف أحدهما بأنه يدعى نافيد أكرم، وقالت الشرطة إن الأب يبلغ من العمر 50 عاماً، وابنه 24 عاماً.
اللافت أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأعضاء حكومته سارعوا قبل معرفة أسباب الحادث ومن قام به، واستباق أية تحقيقات رسمية إلى استثمار الدم في سيدني بأبشع الوسائل السياسية، من خلال توجيه الاتهامات إلى الحكومة الأسترالية، بصب الزيت على نار «معاداة السامية»، متهمين إياها بالصمت إزاء المشاعر المعادية لليهود في البلاد، و«تشجيع الكراهية ضدهم التي تشتعل في شوارع أستراليا»، وزعم نتنياهو أن كل ذلك بسبب «سياسات رئيس الحكومة الأسترالية أنتوني ألبانيز التي تشمل «الاعتراف بالدولة الفلسطينية».
وهكذا أراد نتنياهو ربط الحادث بسرديات أوسع، تتعلق بمعاداة السامية وكراهية اليهود والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وبالاحتجاجات التي عمت دول العالم، ومن بينها أستراليا، رفضاً لحرب الإبادة التي قام بها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة وبأوامر منه، ما استدعى اتهامه بارتكاب جرائم حرب، هو ووزير حربه السابق يوآف غالانت من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
لكن، صورة هذا الربط الفاشل بين ما جرى في سيدني، وسردية معاداة اليهود والسامية كما أراد نتنياهو سقطت، بعدما كشفت الوقائع أن الذي أنقذ حياة عشرات المدنيين من الموت هو رجل مسلم يدعى أحمد الأحمد، حيث انقض بشجاعة منقطعة النظير على أحد المسلحين وانتزع منه سلاحه، رغم إصابته برصاصتين في يده وكتفه، ما استدعى الأستراليين إلى وصفه ب«البطل». حيث نقل عن الأحمد أن تصرفه «كان إنسانياً» ولم يفكر بالمخاطر لحظة تدخله، وإن أي إنسان شريف، عندما يشاهد الناس وهم يقتلون لن يتوانى عن محاولة إيقاف ذلك.
محطة «7 نيوز» الأسترالية ذكرت أن الأحمد يملك كشكاً لبيع الفواكه في سيدني، ويبلغ من العمر 43 عاماً، وأنه أقدم على ما فعله بشكل عفوي، وهو أب لطفلين، وقد وصف كريس مينز رئيس وزراء ولاية ساوث ويلز لحظة تجريد المسلح من سلاحه، بأنها «أكثر المشاهد التي لا تصدق في حياتي»، وأضاف: «هذا الرجل بطل حقيقي، ولا شك في أن الكثيرين على قيد الحياة الليلة بفضل شجاعته». كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشاد بشجاعة الأحمد، وقال خلال خطاب بمناسبة عيد الميلاد: «إنه شخص شجاع جداً جداً.. لقد أنقذ الكثير من الأرواح».