خالد راشد الزيودي*
اخترت هذا العنوان اقتباساً من كتاب «من يجرؤ على الحلم» للكاتب رائد برقاوي، رئيس التحرير التنفيذي لجريدة الخليج الموقرة، لأن القراءة فيه لا تضع القارئ أمام تجربة فردية بقدر ما تكشف له ملامح مدينة قررت منذ وقت مبكر أن يكون قدرها أن تجرؤ على الحلم، ثم تمضي بثبات نحو تحقيقه. فالكتاب، وهو يستعرض جوانب من تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في مجالات البناء والتنمية وصناعة الإنسان على مدى خمسين عاماً من مسيرته الوطنية، يوضح أن الحلم في دبي لم يكن يوماً فكرة عابرة، بل خيار واعٍ، ونهج مستمر، وطريقة تفكير لا تنفصل عن الواقع.
هذا المعنى يجد امتداده الطبيعي في الخطاب القيادي المعاصر، وهو ما عبّر عنه بوضوح سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، في تدوينة نشرها على منصة «إكس»، حين قال سموه: «على خطى محمد بن راشد، تعلمنا أن المستقبل لا يُنتظر.. بل يُصنع اليوم.. فهذه دبي التي أطلق نهضتها العالمية راشد بن سعيد، رحمه الله، برؤية تستشرف المستقبل حين قال (أنا لا أنظر إلى السنة القادمة ولا حتى 5 سنوات قادمة.. لكن أنظر إلى 50 سنة إلى الأمام).
هذه الكلمات، بصيغتها المباشرة ووضوحها، لا تُقرأ كعبارات عابرة، بل كتلخيص لمسار طويل من التفكير والعمل. فهي تربط بين مدرسة القيادة التي أسسها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، ورسّخها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، وتواصل اليوم حضورها في رؤية الجيل الجديد من القيادة. وهنا تتجسد هذه الاستمرارية في سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، وفي سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الأول لحاكم دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير المالية، حيث ينعكس هذا الامتداد القيادي في خطاب واضح وممارسة عملية تؤكد أن الجرأة على الحلم ليست مرحلة، بل نهجاً دائماً في التفكير والعمل.
ويكمل سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم في التدوينة نفسها قائلاً: «وفي رحلتنا نحو الريادة، الجميع شريك، والكل مسؤول.. فصناعة المستقبل الذي نريده للأجيال القادمة ليست شعاراً في دبي، بل رؤية واضحة ومنهج عمل ثابت». هذه العبارة تختصر فلسفة متكاملة في الحكم والإدارة، تقوم على أن المستقبل لا تصنعه جهة واحدة، ولا يُختزل في مؤسسة أو خطة، بل هو مسار تشاركي يتطلب انخراط المجتمع بأكمله، كلٌّ من موقعه، وبحسب دوره.
في التجارب السياسية التقليدية، كثيراً ما يُفصل المستقبل عن الحاضر، ويُقدَّم بوصفه وعداً مؤجلاً أو مرحلة لاحقة. لكن ما يميّز تجربة دبي أن المستقبل كان دائماً جزءاً من تفاصيل اليوم. المشاريع التي أُطلقت، والقطاعات التي نمت، والبنية المؤسسية التي تشكّلت، كلها حملت هذا النفس الطويل في التخطيط، وهذا الإيمان بأن البناء الحقيقي يحتاج إلى صبر واستمرارية، لا إلى استعجال النتائج.
هذا النهج ينسجم بوضوح مع ما أكّده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، في أكثر من مناسبة، من أن التخطيط الحقيقي لا يُقاس بالسنوات القريبة، بل بالأفق البعيد. وهو ما جعل دبي لا تتعامل مع الزمن بوصفه عائقاً، بل فرصة للبناء والتراكم، ولا تنظر إلى التحديات بوصفها نهاية الطريق، بل جزءاً من مسيرته نحو مستقبل أكثر استقراراً وابتكاراً وقدرة على الاستدامة.
كما أن التأكيد على أن صناعة المستقبل منهج عمل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التنمية المستدامة، التي تقوم على الاستثمار في الإنسان قبل كل شيء، وبناء منظومة تعليمية وإدارية مرنة قادرة على التطور والتجدد. ولذلك، لم تُقرأ تجربة دبي يوماً كتجربة استثنائية عابرة، بل كنموذج متكامل يقوم على وضوح الرؤية واستمرارية النهج، والثقة بالقدرة على مواصلة التقدم في مختلف الظروف.
في المحصلة، فإن ما يجمع بين عنوان الكتاب، وكلمات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، وتجربة دبي نفسها، هو فكرة واحدة واضحة: هناك من يجرؤ على الحلم، وهناك من يحوّل هذا الحلم إلى واقع متجدد. ودبي، كما تثبت تجربتها، لم تكتفِ بالجرأة على الحلم، بل جعلت منه مساراً دائماً في التفكير والعمل، وإصراراً هادئاً على الاستمرار في البناء للمستقبل، بثقة متزايدة في الإنسان، ووضوح في الرؤية، وقدرة مستمرة على تحويل الطموح إلى إنجازات ملموسة تخاطب العالم وتخدم الأجيال القادمة.
*باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر