من هنا، من الفاية، يخبرنا الزمان والمكان عن الإنسان كيف عاش، وتعايش مع بيئته ومحيطه، وكيف حوّل التحديات إلى معرفة وصبر وبناء وحكمة.
بهذه الكلمات استهل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة كلمته خلال الحفل الرسمي الذي أقيم في الصحراء لإدراج موقع «الفاية» على قائمة التراث العالمي «لليونسكو»، وليؤكد للحضور أن استثنائية هذا الموقع هي أنه لا يختزن في صخوره طبقات الزمن فحسب، بل يحمل حكايات عن أوّل حضور للإنسان في هذه الأرض.
إدراج هذا الموقع ضمن قائمة التراث العالمي، يبرز الدور المحوري لشبه الجزيرة العربية في رحلة الإنسان للخروج من إفريقيا، حيث تُعد الأدوات الحجرية التي عُثر عليها في الفاية والتي يتجاوز عمرها 200 ألف عام دليلاً على عبقرية الأسلاف وجذور تقاليدهم الثقافية العميقة في منطقتنا.
حاكم الشارقة الكاتب والباحث، الذي تشكل هذه المواقع والقضايا قيمة كبيرة في نفسه، وتنال حقها من البحث والتحري الذي يقوم به بنفسه، قال أيضاً، إن القيمة الحقيقية للمواقع التاريخية ليست قيمة مادية، بل قيمة ثقافية وإنسانية بالأساس، وحين نمنحها ما تستحقه، فإننا لا نحفظ حجراً ولا أثراً، بل نحفظ عِلماً متراكماً، وخبرة إنسانية ممتدّة.
حاكم الشارقة لم ينس أن يوجه الشكر إلى سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي بصفتها سفيرة موقع الفاية للتراث العالمي على ما بذلته من جهد كبير في قيادة هذا الملف، والتي أعلنت خلال الحفل عن إطلاق «منحة الفاية للبحوث» كمبادرة دولية علمية جديدة بقيمة مليونَي درهم، تهدف إلى دعم الدراسات المتخصصة حول الفاية.
إدراج الفاية في «اليونسكو» تم في الـ 11 من يوليو الماضي، ولكن سموها لم تنس في كلمتها أمام الحفل أن تستعيد شعورها لحظة الفوز وتقول: إن ما شعرنا به لم يكن الفوز والانتصار بقدر ما هو الامتنان، امتنانٌ لتقدير العالم لقناعتنا، وأن أصوات الذين عاشوا هنا قبل مئات آلاف السنين جديرة بأن تُسمع.
من هنا، من الفاية، وقبل 200 ألف عام، كان الإنسان موجوداً، وما تركه من آثار خير شاهد على ذلك، والآن تشهد الشارقة ودولة الإمارات والعالم أن هذه الأرض حية منذ زمن طويل، وأن الفاية ستكسر واحدة من أقدم المسلّمات العلمية حول هجرة الإنسان، لأن الأرض قالت كلمتها، والأرض لا تكذب، كما قال صاحب السمو حاكم الشارقة.