ألا تعتقد أن المناهج العربية تأخرت قليلاً في إدراك الفارق بين التربية والتعليم؟ هذا التأخر لا يتجاوز القرن، قل تسعة وتسعون تيمناً بالانتخابات العربية. بالمناسبة: ما يدور في المدارس العربية تختلف وجهات النظر فيه. أمّا المتشددون الصارمون صرامة الصوارم، فيصبّون جام نقدهم على المقرر، في جميع المراحل، يشبّهونه بالصندوق الأسود. وأمّا أهل الحِلم ودماثة الخلُق، فيقولون بضرورة إزاحة الستور، حتى لا تظل المناهج ضمائر مضمَرة أو مستترة مقدّرة، وهؤلاء يطالبون الفضائيات بالذات بعقد ندوات مفتوحة وحوارات بلا قفازات، لطرح قضايا التربية والتعليم على المحكّ، فالآراء عندها تحتكّ، وتزول الرِّيب والشكّ. يحق للناس مناقشة المحتوى.
جميل أن يتحلّق الآباء حول الشاشات، وقد أمست حلبات لنزال العقول، بدلاً من أن تكون طواحين لمياه المسلسلات الباردة، التي تستخف بالشؤون المصيرية، وتصرف الشعوب عن تخلفها، وتعسّر لحاقها بالدول الرائدة. هذه ندوة جمعت صفوةً من أصحاب النظر في شؤون لغتنا: سنخصص عشر حلقات على الهواء مباشرة، لنفحص الأسباب التي جعلت بناتنا وأبناءنا غير قادرين على إتقان لسانهم، من الابتدائية إلى الجامعة. وتلك ندوة علمية للتحقيق في علل انخفاض منسوب الرياضيات والفيزياء في العالم العربي. أحد المشاركين صدح: يجب تخصيص حلقة كاملة لهذا السؤال: ما هو مدى مسؤولية أنظمة التعليم عن الأمية العلمية في بلاد العرب؟ هكذا يكون النقش على الفولاذ، لا الرسم على الماء.
قلت للقلم: الفحص ضروري، لكن مع وصف سبل العلاج. قال: لقد حسبت لهذا حسابه. من الطرائق الناجعة عندي إعطاء التربية قدر حقها، فالمناهج العربية تعلّم بالقُمع والقَمع، ولا تربّي. يجب جعل التربية الإبداعية قيمةً غذائيةً مضافةً تسري في شرايين الطالب. نعلّمه قواعد اللغة والرياضيات والجغرافيا والفيزياء والتاريخ والكيمياء وسائر المواد، ولكن نربيه على الإبداع فيها وبها. يجب أن تهيّئه الدراسة ليكون مبدعاً مبتكراً مكتشفاً محققاً باحثاً، في أي مجال كان، في الطب والهندسة والأدب والحقوق والعلوم الشرطية والعسكرية، في السياسة والاجتماع والإعلام، في الفنون الجميلة والتكنولوجيا.
لزوم ما يلزم: النتيجة القياسية: المناهج مثل جسم الإنسان. التعليم فيه هو بمثابة الكتلة البيولوجية، بينما تمثل التربية، العقل والروح والطاقة الخلاقة.