«الأرض لا تكذب حين تنطق بالعلم»، قال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. والأرض وثيقة، وتاريخ وذاكرة، وفي طبقات الأرض لا تتكوّن الجيولوجيا وعلم الآثار فقط، بل في الأرض أرواح الأسلاف، والقصة تبدأ من جبل الفاية، الجبل الصامت العريق الحيّ، المسجل، وباستحقاق تاريخي ودولي، في قائمة التراث العالمي لدى «اليونسكو».
هنا، إليك، قصة هذا الإنجاز الكبير الذي تحقق على يد فريق عمل قادته، ونظّمته سمو الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، وإليك أولاً ما شعرت به، وما قالته، وما كتبته ووثّقته للتاريخ، وللبلاد، وأهل البلاد.
تقول سمو الشيخة بدور:«ثم جاءت لحظة القرار:«يُسَجّل موقع الفاية القديم على قائمة التراث العالمي لليونسكو». اخترقت الكلمات سكون اللحظة كبركةٍ تهبط من السماء، وبكيت، لم أستطع أن أوقف الدموع، لم تكن دموع فخر أو ارتياح فحسب، بل أنقى إحساس عرفته يوماً: الامتنان، والانعتاق، والمحبة. لم أبكِ لنفسي، بل لأني شعرت بهم، كلّهم، يشكرونني، يحيطون بي يرفعونني».
بعد قرار «اليونسكو»، تصف سمو الشيخة بدور اللحظة التي غادرت فيها القاعة التي اتُخذ فيها قرار الفاية تراثاً عالمياً في «اليونسكو». تقول:«بدت باريس مختلفة، السماء أصفى، الهواء أخفّ، رفعت نظري مرة أخرى، ورغم أن الشرفة كانت خالية الآن، لكنني كنت أعلم أنهم ما زالوا معي، فقد كانوا معي دائماً».
ولكن ما هذه الشرفة؟ ومن هم هؤلاء الذين كانوا معها دائماً.
إليك القصة مرة ثانية: «كانت الجلسة في مقر اليونسكو بباريس في مدرّج كبير يلفّه الوقار والاحتفاء الرسمي. كل مقعد بدا مثقلاً بالهيبة. جلس المندوبون القادمون من أصقاع العالم متأهبين، بأقلامهم وسماعات الترجمة في آذانهم. يتداولون في مصير مواقع تختزن ارواح حضارات كاملة».
وتضيف: «حين بدؤوا مناقشة طلب إدراج الموقع في القائمة، رفعت بصري نحو الشرفة العليا، ذلك الجزء الذي أغلق في وجه الزوّار وفي تلك اللحظة، ملأت مخيلتي ذلك الفراغ، تخيلتهم، الأسلاف جالسين في الصف العلوي، كأن المكان قد خصص لهم منذ البدء، لا أعلم لماذا رأيت المشهد بهذا الوضوح، لم تكن رؤية روحية، بل خفقة في أعماق الذهن، ومع ذلك، بدت لي كحضور حقيقي. رأيت وجوهاً من زمن آخر، تتدثّر بأثواب منسوجة، وجوههم يعلوها الوقار والسكون».
لم تحقق سمو الشيخة بدور تسجيل جبل الفاية في «اليونسكو» فحسب، بل حققت أيضاً سبقاً إبداعياً في أدب المكان، وجمالياته، وثقافته الأنثروبولوجية، والحكائية والآثارية، ومرّة ثانية «المكان لا يكذب»، حين يصبح ملهماً وناطقاً بأرواح الأسلاف حيث تجري الدموع على وجوه الملكات.

[email protected]