نور المحمود

تشدك رياح الزمن الحالي لاتخاذ موقف وإعلانه صراحة، تتقاذفك يمنة ويسرة ولا تتركك تقف في ظل ما أو على الحياد، فإذا راقبت جيداً كل ما يتداوله الناس على مواقع التواصل الاجتماعي تكتشف أن هناك غلياناً مستمراً، صراعات تدور مرة على لاعب كرة، ومرة بسبب حادث، وثالثة بسبب برنامج أو موقف أو لا موقف، مشهد، لقطة، عبارة، صورة، شائعة، حقيقة، ولادة، موت، زلة، فوضى.

وكأنه فعل تحريض دائم للإنسان كي ينشغل بضجيج وينفعل ويتفاعل وينتهي به المطاف إلى اتخاذ موقف ليجد نفسه طرفاً في معركة ربما تكون وهمية ومفتعلة عمداً، وربما تكون حقيقية ولها تبعات.. ولأن التواصل ومتابعة بل ملاحقة كل «بوست» وكل ما ينشره الناس على مختلف الصفحات والمواقع صار روتين الشباب والأطفال والكبار أيضاً، تكتشف أن الكل دخل دوامة «التوتر المقصود»، الكل يلهث وينتقل من خبر إلى آخر، نقرة من هنا وأخرى من هناك، وكل عبارة وجملة تحمل المتصفح إلى سلسلة من التعليقات والمواقف، ليجد نفسه مشدوداً نحو طرف معين، وكأن هناك من يحض عقله طوال الوقت ليتخذ قراراً ويجيب عن سؤال: أنت مع أم ضد؟

لا خوف على الكبار فلقد تحصنوا جيداً في زمن التواصل الحي ونشؤوا على إيقاع التمهل في الفكر والتمعن في الكلمة، والتوقف عند الفاصلة والنقطة، وفهم معاني كل عبارة كيف ولماذا ذيلناها بعلامة تعجب أو استفهام، بينما من نسميهم جيل «زي» يختزلون الكلمات وتتطاير من عباراتهم كل علامات الاستفهام والتعجب، ولم يعد للنقطة دور فاصل ينهون بها الكلام، ولا للفواصل قيمة، فالحياة أسرع من أن تحتاج إلى تلك المحطات التعبيرية التي يلتقط فيها الإنسان أنفاسه ويفهمون منها البداية والنهاية وما بينهما.

كل الأجيال التي سبقت شباب اليوم قرأت الشعر وسمعت القصائد وتلتها بإلقاء أو تلقفتها من أفواه شعراء وحفظتها مغناة بأصوات فيروز ونجاة وأم كلثوم.. كانت «العربية الفصحى» قريبة من اللسان وخفيفة على السمع وموصولة بالقلب، ولم تكن عصية على الفهم بل تدخل كل البيوت من المدن وحتى الأرياف، بأصوات ممثلين بارعين قدموا مسلسلات إذاعية وتلفزيونية ممتعة.

كان «الحياد» هو السائد، القارئ والمستمع والمشاهد هو المتلقي، لم توكل إليه مهمة إعادة نشر أي خبر أو حدث، حتى الأصداء وردود أفعال الناس كانت تمشي وفق إيقاع الزمن المتمهل، بينما اليوم الكل يدخل في دائرة الفعل والانفعال، يجد نفسه فجأة صاحب موقف ورأي، ولرأيه أصداء تتردد أبعد من حدود معرفته ومعارفه. زمن اللا حياد واللا صمت واللا تمهل.

[email protected]